تفاصيل مثيرة عن حجز ذهب «مناجم» في السودان -التفاصيل

13 مايو 2019 - 22:01

يونس مسكين – خولة الجعيفري

بعد إعلان السلطات العسكرية الجديدة الممسكة بزمام الحكم في السودان، توقيف شحنة من سبائك الذهب كانت في طريقها نحو التصدير، بدعوى أنها تعود إلى شركة “مناجم” المغربية، التي تحصل على التراخيص القانونية لهذه العملية، استمرّ الغموض مخيما على هذا الموضوع، رغم حساسيته الاقتصادية والسياسية الكبيرة. تصريحات مقتضبة صدرت باسم الشركة المغربية ومصادر سودانية، كلها حاولت نفي شبهة خرق القانون عن العملية، وتأكيد حصولها على التراخيص القانونية اللازمة.

توضيحات لم تبدّد اللبس الناجم عن الفرق الكبير بين الشحنة المرخص لها بالتصدير، والبالغ وزنها 93 كيلوغراما من الذهب، وبين تلك التي تم حجزها، والبالغ وزنها 241 كيلوغراما. غموض يجعل التأويلات تربط ما وقع بالتحول السياسي الذي عرفته السودان، وسيطرة العسكريين الموالين للإمارات العربية المتحدة على السلطة، تزامنا مع توتر العلاقات المغربية الإماراتية.

وثائق الملف

“أخبار اليوم” حصلت على جل وثائق الملف القانوني الذي يدفع به الفرع السوداني لشركة “مناجم” المغربية، ومعها عدد من الأصوات السودانية التي ارتفعت مؤكدة سلامة العملية، ومتهمة العسكريين بسوء الفهم وعدم ضبط المساطر القانونية الخاصة بمثل هذه المعاملات.

هذه الوثائق عبارة عن مراسلات وأذونات صادرة عن السلطات السودانية المختصة، من بينها تلك الوثائق التي نشرتها صفحة فايسبوكية تحمل اسم “ملتقى الجيولوجيين السودانيين”. الوثائق الصادرة باللغة العربية تفيد بأن شركة “مانوب”، الفرع السوداني لـ”مناجم” المغربية، تقدّمت منتصف أبريل الماضي بطلب إلى إدارة القياس والمعايرة التابعة لمجلس الوزراء، بهدف الترخيص لها بتصدير 9 سبائك من الذهب، مجموع وزنها حوالي 93 كيلوغراما. إحدى هذه الوثائق التي نشرتها صفحة “ملتقى الجيولوجيين السودانيين”، تقول إن الإدارة المختصة قامت بالخبرة اللازمة لتحديد عيار الذهب المراد تصديره وقدّمت شهادة مفصلة بهذا الخصوص. نسخة من هذه الوثيقة تم توجيهها إلى كل من بنك السودان ووزارة التجارة والجمارك، إلى جانب بنك فيصل الإسلامي المعني بتمويل هذه الصفقة.

بنك السودان أصدر بدوره وثيقة بتاريخ 25 أبريل، يعلن بموجبها موافقته على تصدير الكمية التي صرحت بها شركة “مانوب”، وأخبر بذلك كلا من وزارة التجارة وبنك فيصل الإسلامي. بناء على كل ذلك، راسلت وزارة المعادن يوم 29 أبريل مسؤول جمارك مطار الخرطوم، تخبره بموافقتها على تصدير 9 سبائك ذهب تابعة لشركة “مانوب” إلى إيطاليا، مع توضيح كون هذا الترخيص صالح لمدة شهر فقط. صفحة “جيولوجيو السودان” علّقت على الوثائق التي نشرت بالقول إن الأمر يتعلق بفوضى ينبغي أن يوضع لها حد، لكون الشركة استكملت جميع الإجراءات القانونية.

ماذا عن الحمولة الزائدة؟

كل هذه المعطيات التي تم ترويجها على نطاق واسع في الأيام الثلاثة الماضية، لا تنهي الإشكال والمتمثل في الشحنة التي تم حجزها، والتي تتجاوز الكمية التي تتحدث عنها جميع هذه الوثائق. فواحدة من صفحات الملف الذي حصلت عليه “أخبار اليوم”، يتضمن جدولا يوضح خصائص الصناديق الخشبية التي يفترض أن تضم سبائك الذهب. الوثيقة تتحدث عن 9 سبائك، موزعة على شكل سبيكتين في كل صندوق، وسبيكة واحدة في صندوق واحد. لكن لقطات الفيديو التي تم نشرها لعملية “حجز” الذهب من الطائرة المروحية السودانية، تظهر عددا كبيرا من السبائك، حيث يضم الصندوق الواحد أكثر من ثلاثة سبائك.

البلاغ الصادر عن قوات الدعم السريع يؤكد أنها ضبطت بحوزة الطائرة 241 كيلوغراما من الذهب في طائرة هبطت الخميس بالعاصمة الخرطوم، قادمة من ولاية نهر النيل. وقال أحد قادة القوات، اللواء عثمان محمد، إن 93 كيلوغراما فقط من كل الكمية، حاصلة على ترخيص بالتصدير، ولم يتضح وضع بقية الكمية. وأضاف؛ “واجبنا أن نسلم هذه الكمية الكبيرة لبنك السودان، ثم يتم اتخاذ وإكمال الإجراءات القانونية”.

معطيات لم يكذبها مصدر من شركة “مناجم” تحدث إلى “أخبار اليوم”، حيث قال إن وزن الحمولة الحقيقي والإجمالي الذي وصل إلى الخرطوم هو 241، كما سبق وصرحت السلطات السودانية، تتضمن 93.62 كيلوغرام القانونية على شكل سبائك، فيما 147.38 “شحنت عن طريق الخطأ”. كيف حدث ذلك؟ وهل يمكن شحن كمية مضاعفة ثلاثة مرات عن المرخص به عن طريق الخطأ؟

شحن مخزون الذهب “خطأ”

مصدرنا من الشركة المغربية الذي طلب عدم ذكر اسمه، قال إن سلطات الدعم السريع كانت قد منعت مرور الشحنة في يوم سابق من مصنع الشركة المتواجد في وادي غابغابا، وهي الشحنة القانونية التي يبلغ وزنها 93.62، على شكل سبائك، وهذا ما دفع شركة “مانوب” التي هي فرع مناجم في السودان، لتخبئها في مخزنها بعين المكان والمسمى “HOME GOLD”.

المصدر نفسه أضاف أنه وبعدما تواصلت قوات الدعم السريع، التي قال إنها سلطة جديدة لا علم لها بالقوانين الجاري بها العمل، بالمسؤولين في الخرطوم، “وأخبروهم أننا في وضع قانوني ولدينا التراخيص الكاملة، أطلقوا سراح الشحنة لتلتحق بالعاصمة، حتى أنهم تكفلوا بشحنها في الهيلكوبتر، وهنا حدث سوء الفهم، حيث أخذوا من مخزننا الذهب القانوني الذي يجب أن ينقل وأيضا مخزوننا من الذهب المخزن في “الكوفر فور”، أي أكثر مما كان يفترض أن يشحن، ما أوقعنا في هذا اللغط”، يقول ذات المصدر.

هذا الخطأ المفترض في الشحن، يساوي ما قيمته أكثر من 5 ملايين دولار أمريكي، أي أكثر من خمسة ملايير سنتيم مغربي، تم شحنها “بالخطأ” حسب مصدرنا من “مناجم”. فضمن وثائق ملف الصفقة الذي حصلت عليه “أخبار اليوم”، نجد القيمة الإجمالية لشحنة الـ93 كيلوغراما التي تم الترخيص بتصديرها، والتي تتألف من 84 كيلوغراما من الذهب الخالص، فيما البقية عبارة عن فضة، وهو ما يفوق 3 ملايين و337 ألف دولار، على أساس سعر 41 دولارا للغرام الواحد من الذهب. وعبر عملية حسابية بسيطة بناء على قيمة الـ93 كيلوغرام المرخصة، تكون قيمة الـ148 كيلوغراما المثيرة للجدل أكثر من خمسة ملايين دولار.

الزبون إيطالي

العسكريون الذي أعلنوا عن حجز الذهب بطريقة استعراضية، رددوا أن الشحنة كانت موجهة للتصدير نحو الخارج، دون أن يوضحوا هوية أو جنسية الزبون. واحدة من وثائق التقييم الذي خضعت له الشحنة المرخصة قبل حصولها على الإذن، وهي عبارة عن فاتورة أولية (PROFORMA INVOICE)، تتحدّث عن صفقة بين كل من “مانوب”، الفرع السوداني لشركة مناجم، وشركة ITALPREZIOSI SPA الإيطالية الموجود مقرها بمدينة أريتسو الإيطالية. لكن الوثيقة تضيف مباشرة بعد ذلك: “تحت تعاقد مع شركة TRADIST FZCO الموجود مقرها في مدينة دبي الإماراتية”. وفيما تحدّث مصدر سوداني مطلع لـ”أخبار اليوم” عن كون زبون إماراتي باعتباره الزبون الرئيس لفرع “مناجم” المغربية، رفض مصدرنا من هذه الأخيرة التعليق على الأمر، معتبرا الأمر يدخل في نطاق “سرية هوية الزبناء”.

شركة ITALPREZIOSI الإيطالية التي يظهر اسمها في الوثائق باعتبارها الزبون الذي قام بشراء الـ93 كيلوغراما من الذهب المرخص بتصديره، هي واحدة من أشهر وأكبر المتخصصين الأوربيين في المعادن النفيسة، تأسست عام 1984. أما شركة TRADIST FZCO التي تضيفها الوثيقة على أساس أن الصفقة تتم بتعاقد معها، فهي حسب تقرير صادر عن شركة “مناجم” عام 2017، عبارة عن فرع لها بالمنطقة الحرة ذات مسؤولية محدودة، مستقرة في المنطقة الحرة “جبل علي” بالإمارات العربية المتحدة.

هذه الشركة أحدثت، حسب التقرير نفسه، عام 2013، وهي متخصصة في بيع المعادن النفيسة والمعادن الأولية، ويوزع رأسمالها بين كل من شركة Managold التي تملك 80 في المائة، وشركة “مناجم” التي تحوز العشرين في المائة المتبقية.

الخلفية الإماراتية

من هي شركة Managold هذه التي تملك غالبية أسهم الشركة المستقرة في الإمارات؟ هي حسب وثائق مناجم واحد من فروعها المستقرة في الإمارات، حيث تملك “مناجم” مجموع أسهمها، ومن خلالها تساهم “مناجم” في عدد من الفروع الأخرى، مثل “ماليما” الموجودة في مالي، و”بايلا” في غينيا، وتملك Managold الإماراتية المنشأ قرابة 90 في المائة من رأسمال شركة MCM السودانية، والتي تحوز بدورها قرابة 78 في المائة من أسهم شركة “مانوب” المعنية بشحنة الذهب التي تم حجزها الأسبوع الماضي. أي أن أنشطة “مناجم” المغربية في السودان تتم أساسا عن طريق الإمارات العربية المتحدة، والفرع المالك لشركات المغرب في السودان، يوجد مقره في دبي.

عندما سألنا مصدرنا من شركة “مناجم” عن علاقة هذه الأخيرة، بهولدينغ Managold، قال إن “هؤلاء شركاؤنا”، نافيا أن تكون لهم علاقة بالإمارات العربية المتحدة، “عدا عن تواجد أحد فروعها في المنطقة الحرة بدبي، فيما الفرع الثاني بالعاصمة الإسبانية مدريد”، مشددا على أن الشركة هي مغربية. المصدر شدد على نفي ما تداولته شبكات التواصل الاجتماعي على نطاق واسع، من كون الشركة المغربية تهرب الذهب السوداني نحو المغرب.

مناجم: نحن لا نهرّب

“الذهب لا يأتي أبدا إلى المغرب، مناجم شركة استثمرت في السودان تملك رخص الاستقرار، وتقوم بأبحاثها الجيولوجية في المكان، وتستخرج الذهب. نحن بنينا منجما ومعملا كبيرا يستخرج الذهب ويعالج في المصنع، قبل أن يخرج على شكل سبائك تباع كغيرها من المعادن، لزبنائنا حول العالم، على حسب الطلب”، يقول المصدر نفسه، موضحا أن فرع “مناجم” في السودان المسمى “مانوب” يستخرج الذهب، “ثم ننقله من وادي غابغابا إلى الخرطوم، وقبلها يتم إخضاعه للإجراءات القانونية اللازمة، ولا تشحن إلا إن خضعت لهذه الإجراءات بحضور السلطات، وهذا أمر اعتدنا عليه منذ 2009”. وحين سألنا المصدر عن مآل شحنة الذهب المحجوزة، أكد لنا أنها وإلى حدود أول أمس السبت لا تزال محجوزة في عهدة بنك السودان في الخرطوم.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ghomar منذ 3 سنوات

أين هو وكيل الملك العتيد ليحرك هذه القضية؟ أم أن هذا لا يدخل في اختصاصه؟

عبد الوهاب منذ 3 سنوات

شحال الحاولي