أحوال الإمام مالك.. التأليف -الحلقة10

17 مايو 2019 - 15:00

الدكتور أحمد كافي أستاذ التعليم العالي للدراسات الإسلامية الدار البيضاء

من البلاء الذي أصاب بعض أهل العصر، شهوة الكتابة والتأليف. حيث يكتب الرجل دون أن يعرض مكتوبه على أهل الاختصاص لتأييده وتشجيعه، أو لثنيه عن فضح نفسه. والمهم عند هؤلاء المبتلون بشهوة الكتابة أن يكتب كما الآخرون يكتبون، وأن يزاحموهم في هذه الطريق بحق أو بباطل.

وإن القصة أكبر من المزاحمة، والتسويد هو المراد. فإذا لم يتحر الكاتب الإتقان، ولم يلتزم شروط الصناعة، فإن ما كتبه سيعود قباحة في حقه، وسيتعرض للإهمال، أو لصَرَدِ النبال. ولذا نصحوا قديما من لا يحكم صنعته بالقول له:

فدع عنك الكتابة لست منها *** ولو سودت وجهك بالمداد

ومما يذكر في هذا الباب أن رجلا كتب كتابا وسماه: جوهرة الحواشي. ولما سلمه إلى شيخه لمعرفة تقييمه له. قال له إثر عودته إليه بعد مدة: أنا أنصحك أن تغير عنوانه. فقال له: وماذا تقترح علي، فرد عليه: أقترح عليك أن تسميه: بعرة المواشي.

إن التأليف مسؤولية كبيرة، فيجب أن تأخذ حقها حتى لا يأتي الكتاب فطيرا، لم يهذب ولم يجود. وإن هذه الكتب لتموت في حياة أصحابها يوم أن يقذفوا بها الناسَ يعرضون عليهم صفحة عقولهم.

لم يكونوا رحمهم الله تعالى يلقون مكتوبهم للناس على عجل، ويرفضون الاستسلام للعجلة مهما تعجل المتعجلون. بل كانوا يأخذون وقتهم في الرضا عما كتبوه، وكان خوفهم شديدا، من قول القائل:

وما من كاتب إلا سيبلى *** ويبقي الدهر ما كتبت يداه

فلا تكتب بكفك غير شيء *** يسرك يوم القيامة أن تراه

وكان مالك متيقنا أن ما كتبه المستعجلون مآله النسيان. فقد تسابق البعض في عمل كتب بنفس عنوان الرجل: الموطأ. وأرادوا ثنيه عن المضي في طريقه إذ سبقه آخرون. قال ابن عبد البر: “ثم إن مالكا عزم على تصنيف الموطأ فصنفه، فعمل من كان في المدينة يومئذ من العلماء الموطآت، فقيل لمالك: شغلت نفسك بعمل هذا الكتاب، وقد شركك فيه الناس، وعملوا أمثاله. فقال: ائتوني بما عملوا، فأُتيَ بذلك فنظر فيه ثم نبذه، وقال: لتعلمن أنه لا يرتفع من هذا إلا ما أريد به وجه الله. قال ابن عبد البر: فكأنما ألقيت تلك الكتب في الآبار، وما سمع لشيء منها بعد ذلك بذكرٍ” (التمهيد).

لقد كان كتاب الموطأ مشروع مالك في حياته كلها، يزيد وينقص، ويهذب ويجود، ويصلح وينقح.. وهكذا أخذ وسعه في إنضاج كتابه وإقرائه على تلامذته. ومن إقرائه لهم كانت تظهر له من المعايب ما يجب تلافيها.. وهكذا أخذ منه عمره، ولم يكن قليلا، إذ لا يزال كتابه صامدا إلى اليوم، مصدرا لا يتجاوزه المختصون.

ولقد حفظه بعض تلامذته في مدة يسيرة، فرد عليه الإمام أن فهمهم له لن يتأتى في مدة يسيرة. قال صفوان بن عمر بن عبد الواحد عرضنا على مالك الموطأ في أربعين يومًا فقال: كتاب ألفته في أربعين سنة أخذتموه في أربعين يوماً، قل ما تتفقهون فيه” (ترتيب المدارك).

وبعد مدة أخرى، لقيه آخرون مستعجلون أن يصبحوا زبيبا قبل أن يتحصرموا، قال لأبي خليد: “علمٌ جمعه شيخ في ستين سنة أخذتموه في أربعة أيام..لا فقهتم أبدا”.

ولأنه أحكم صناعته، ولم يتسرع في الخروج بها للناس، قال الشافعي عن كتابه:

ما في الأرض كتاب من العلم أكثر صواباً من كتاب مالك. وما على الأرض كتاب أصح من كتاب مالك. وفي رواية: أفضل. وما كتب الناس بعد القرآن شيئاً هو أنفع من موطأ مالك” (ترتيب المدارك).

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.