الدكتور أحمد كافي أستاذ التعليم العالي للدراسات الإسلامية الدار البيضاء.
كان الحكم واضحا عند الإمام مالك، أنه لا يؤخذ بالتسلط عليه، وإنما هو وظيفة عند الأمة تنال برضا الناس جلهم أو غالبهم، وأنها إن انعقدت على هذه الصفة، فهي مرضية شرعا وعقلا.
وكان لا يقبل أن يتم القول في السياسة كجزء من الدين بغير حقيقتها. فرفض بقوة أن يكون دال الناس على تحريف الحقائق مهما كلفه من ثمن، حتى وإن كان هذا الثمن إذاية أو اغتيالا.
ولا أصرح في موقفه من جوابه عن سؤال السائلين له: أيجوز قتال الخارجين على الخليفة. فقد رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أنه أجاب قائلا: « إنْ كَانَ الإمَامُ مِثْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَجَبَ عَلَى النَّاسِ الذَّبُّ عَنْهُ، وَالْقِتَالُ مَعَهُ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلا؛ دَعْهُ وَمَا يُرَادُ مِنْهُ، يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْ الظَّالِمِ بِظَالِمٍ، ثُمَّ يَنْتَقِمُ مِنْ كِلَيْهِمَا » ( شرح مختصر خليل للخرشي: 8/ص60).
هكذا قرر فيما سئل عنه من مسائل السياسة الشرعية:
1ـ فقرر أولا أن الانخراط في نصرة الحاكم القائم لا يجوز إلا بشرط. وهو أن يكون على شاكلة عمر بن عمر بن عبد العزيز، فإن لم يكنه فلا معنى للقتال والكون مع ظالم ضد ظالم، وإطالة أمد الاستبداد بالتخندق مع أي قائم.
وإنه لشرطٌ شديد في وقت استتب الأمر لبني العباس، ولم يخش من عاقبة الجواب الصريح مما عرف عنهم من البطش بمن يعارضهم.
وهذا الشرط شديد منه رحمه لله تعالى يحمل شعار: عدم نصرة الظالمين المتصارعين، فإنهم متصارعون على الحكم لا على الشرع حاكما على الحكم.
هذا هو مذهب مالك ووضوحه في الموضوع، وهو الوضوح الذي يجب أن يكون عند المنتسبين إليه، لا من انحرف إذ قعد للناس: من اشتدت وطأته، وجبت طاعته.
وكان واضحا عنده أن الظالم لا يعان على ظلمه، بل يترك ليدبر حاله مع ظالم مثله، حتى ينتقم لله من أحد الظلمة أو من كليهما. وهذا شرط ثان: عدم جواز إعانة الظالم على ظلمه.
ولقد انتقل الناس من وضوح الحقائق الشرعية إلى تحريفها والتأصيل للانحراف، والإذعان لها، وفرض الإذعان على الجماهير.
وقد أفتى مالك الناس بأن بيعة الإكراه في الحكم لاغية، وللناس كامل الحق في عدم التزام مقتضياتها، فأوذي بسببها. فقد ذكر عياض أنه عند قيام محمد بن محمد عبد لله بن حسن العلوي المسمى: المهدي. بأن بيعة أبي جعفر لا يلزم، لأنها على إكراه.
قال الليث معلقا على هذا الموقف من مالك: « إني لأرجو أن يرفع لله مالكاً بكل سوط درجة في الجنة » (ترتيب المدارك: 2/ص134).
فإذا اقتضت منازعة من ليس بأهل للحكم، وكانت محققة حسم النزاع معه لصالح غلبة الخير، فلن يكون مالك ولا غيره من أهل العلم الثقاة، ممن يجبنون ويثبطون عزائم الناس في التغيير، ومنازلة الظلم والظالمين. ولا يشترط الكفر في المنازعة كما تدحرجت إليه بعض الأقوال.
وفي هذا الصدد يقول ابن عبد البر الفقيه المالكي: « وأما قوله: ( وأن لا ننازع الأمر أهله): فاختلف الناس في ذلك. فقال قائلون: أهله أهل العدل والإحسان والفضل والدين، فهؤلاء لا ينازعون، لأنهم أهله. وأما أهل الجور والفسق والظلم فليسوا له بأهل، ألا ترى إلى قول لله عز وجل لإبراهيم عليه السلام: « قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ». وإلى منازعة الظالم الجائر ذهبت طوائف من المعتزلة وعامة الخوارج، وأما أهل الحق وهم أهل السنة فقالوا هذا هو الاختيار » (التمهيد: 23/ص279).