أحوال الإمام مالك.. الموقف من تقنين الفقه الإسلامي -الحلقة16

27/05/2019 - 15:01
أحوال الإمام مالك.. الموقف من تقنين الفقه الإسلامي -الحلقة16

الدكتور أحمد كافي أستاذ التعليم العالي للدراسات الإسلامية الدار البيضاء

لعل الاعتبارات السابقة لها من الوجاهة في باب النظر العلمي ما تدعو إلى الاسترخاء في قبولها، وأنه في باب العلم يجب أن لا يحجر على رأي أهل الرأي واختياراتهم واجتهاداتهم.

وليس أمرها سديدا عندي مهما حاول زخرفتها المولعون بها، بالتركيز عل مصطلحات العصر الأخاذة: الحرية، اللابة في المبدأ، احترام حقوق الإنسان…

لم يكن مالك رحمه لله تعالى موفقا في هذه، رغم أن ظاهرها يغري بالقبول. فإنها مسألة أكبر مما يذكره هؤلاء، وموضوعها بعيد عن هذه الذي يدندنون حوله.

يجب علينا:

يجب علينا أن ندفع اعتقادا يراد التمكين له، وهو أن كل ما يقوله إمام إلا والحق هو ما قاله، وما يقوله حاكم أو فرد من الرعية هو الغلط ابتداء وانتهاء. وقد نافح أئمتنا قديما وعبر القرون عن هذه الفرية، وواجهوا بضرامة وعزم القائلين بالعصمة لبعض البشر.

إن مالكا أو غيره من الأئمة الذين هم تاج رؤوسنا نحن أهل الإسلام، يخطئ ويصيب.

وما لنا نذهب بعيدا، إن الصحابة الكرام وهم أعظم قدرا من مالك وغيره، كان الواحد منهم كما يصيب، قد يخيب.

فهذا عمر مع امرأة من عامة الناس وحطمتهم تخطئه بجرأة، وتقنعه بخطئه، فلا يستنكف أن يعلن أوبته: أصابت المرأة، وأخطأ عمر.

وهذه القصة ونظيراتها هي التي دفعت بعض علمائنا الأقدمين ليعلقوا عليها بالتأكيد على ما سبق بانعدام العصمة لأحد، وبأن الراشدي عمر لم يصمت المرأة، أو يوقفها عند حدها، أو يستدل عليها بأنه محدث ملهم كما صح في الخبر.

وفي الوقت نفسه يجب أن نكون صامدين متحدين في وجه من يريد النيل من الأئمة الأعلام، يتخذ من أمور لا يقبلها منهم وليجة للطعن والازدراء في أقدارهم. وإني لأنظر من بعيد في بعض الذين لا حظ لهم من العلم ولا الأدب، فأجد أعمالهم لا تتجاوز البحث عن عيب، أو الكشف عن مثلبة.

فإذا تحدثنا اليوم عن مالك أو عن رأيه في قضية، ولم نوافقه فيها، أو تحدثنا عن أي إمام من أئمة المسلمين أو من هو معدود من أهل العلم وطلبته، فإنه كلام محترم وموقر، وأن آنيتهم بعد أن فاقت القلتين لن تحمل الخبث.

وهو أيضا كلام عاقل، ينظر في أقوال الناس، لا يضره أن إذا رفض رأيا بحجة، أن يشاغب البعض عليه بالأسماء، قائلا: إنه فلان الذي.. وفلان الذي..

رغبة الحاكم:

فهذه رغبة دولة وطلبها كي يكون حكما لرعاياها. فليس الموضوع أمنية مفكرين وعلماء وفقهاء.. أو مناقشتهم وآراؤهم. إنها رغبة وأمر دولة تريد إلزام الحكم بها على رعاياها.

وقد تكررت الرغبة من أبي جعفر المنصور (ت158هـ)، ثم من ابنه بعده المهدي (169هـ). كل ذلك وهما يراوضانه عن نفسه، ويفتلان في ذروة الإمام مالك وغاربه، فلم يعودا بشيء من رغبتهما وإصرارهما.

يجب أن نفهم المقولة في سياقها، وأنها رغبة الحكام في حكمهم. فالقضية ليست علمية محضة في التفضيل، وإنما رغبة الحاكم في سلطنته هي استقرار الأحكام التي تصدرها الدولة في قضائها، وحيازتها للرضا الاجتماعي. وهذا الوجه الثاني المتعلق بالدولة هو مبعث قلق السلاطين.

تدخل الحاكم:

وليست المسألة كما يتصورها البعض أنها تدخل السياسة في العلم وعمل العلماء. فلا شيء يشي بهذا التدخل. وإنما الأمر طلب وإلحاح فيه من غير مواربة. ولا يفوتنك أن هؤلاء الحكام كانوا على قدر من العلم لا يستهان به، وكان الإمتاع والمؤانسة عندهم هو التحلق حول العلم واختلاف أهله.

وحفظت كتب التراجم والطبقات والمناظرات طرفا من هذه المجالس التي ينتشي بها السلاطين في استخراج العقول أفضل ما عندها.

شارك المقال