أحوال الإمام مالك.. مقصد العلم -الحلقة18

29/05/2019 - 15:01
أحوال الإمام مالك.. مقصد العلم -الحلقة18

الدكتور أحمد كافي أستاذ التعليم العالي للدراسات الإسلامية الدار البيضاء

لماذا يتعلم الإنسان اليوم أو قبل اليوم العلم الشرعي؟

وسؤالي غير موجه إلى عامة من يتعلم المعارف والعلوم، ويحرص على معرفة المعلوم من دينه. وإنما هو سؤال موجه أساسا للمنتسبين إلى علوم الشريعة، من المشايخ الكرام والأساتذة الفضلاء، ومن لهم عناية بتدريس العلوم الشرعية والبحث فيها.

فإن أجابوا: إنهم يتعلمون من أجل نشر الدين وحفظه وتيسيره على الناس، فإني أجد عليهم في نفسي شيئا من هذا الجواب. وهو أقرب إلى الكذب منه إلى الحقيقة عن جمهرتهم. وإن المنتسبين إلى الشريعة أصابهم ما أصاب الآخرين من انحراف مقصد التعلم.

صحيح أنهم يتحدثون عن الإخلاص، وأن على المسلم أن يعمل العمل لله، وأن يسعى في نشر الدين ورفع أعلامه حسبة. ولكننا لا نقصد حديثهم، وإنما عنايتنا هاهنا بحقيقة أعمالهم ومقاصدها على أرض الواقع تطبيقا يكذب قولهم أو يصدقه.

ثم إن المواقف والأحداث والنوازل تلم بنا لتكشف الصدق من البهرج، ولتقذف في عيوننا بالصراحة أن هذا البعض إنما تعلم الدين للذي تعلمه عموم أهل الدنيا، في جعلهم العلم شباكا لصيد الدراهم والدنانير.

ويشهد لمقصودهم هذا، أنهم أحرص الناس على الحياة، ومستعدون للقول بخلاف منطوق الشريعة إرضاء لأهل الصولة والصولجان، ويتكلمون فيما لا حرج عند أهل الوقت الحديث فيه، ويخرسون فيما يعلمون ويفهمون أن القوم كارهون الحديث بما يعلمون الكراهة منهم.

أما الإمام مالك، فقد جعله لله تعالى إماما للناس لسببين:

الأول: إتقانه لصنعته.

الثاني: صحة القصد والإخلاص والإرادة.

وكان الإمام مالك يوصي تلامذته بهذا، ومن ذلك قوله لتلميذه ابن وهب: « إن كنت تريد لما طلبت ما عند لله فقد أصبت ما تنتفع به، وإن كنت تريد بما تعلمت الدنيا فليس في يديك شيء » (ترتيب المدارك).

وكان كثيرا ما قال لهم: « العلم نور لا يأنس إلا بقلب تقي خاشع، وما زهد أحد في الدنيا إلا أنطقه لله بالحكمة » (ترتيب المدارك).

فلينظر أهل العلم الشرعي لأنفسهم بعرضها على قصد مالك ومبادئه وثوابته، والبعد عن مقاصدهم المخالفة لقصد الإمام الذي عاش عليه، وربنا عز وجل أعلم بالنيات، ولكل امرئ ما نوى.

وإن السفلة من العلماء أو من عموم الناس، الذين لا يرون بأسا في اختياراتهم القولية والعملية المخالفة لمقصد الشريعة الإسلامية التي التزمها مالك رحمه لله تعالى وغيره من إخوانه الأعلام، في هذا المذهب أو غيره من المذاهب المعتبرة.

فليس لهؤلاء السفلة من مقصد شرعي ينحازون إليه، وإنما همهم البحث عن خويصة النفس في الاستمتاع بالدنيا بأي ثمن. حتى ولو كان هذا الثمن دينهم الذي هو أعز ما يطلب، وأسمى من أن يُقدَّم قربانا لموائد الأشرار. وقد سمى الإمام مالك هؤلاء بالسفلة. قال ابن أبي أويس: قال مالك: « أقبل علي ذات يوم ربيعة فقال لي: من السفلة يا مالك؟ قلت: الذي يأكل بدينه. قال لي: فمن سفلة السفلة؟ قلت: الذي يأكل غيره بدينه » (ترتيب المدارك).

وكأنه رحمه لله تعالى يتكلم عن زماننا، وكيف انقلب الشرع عند مكتسبيه، والقائمين به، شباكا يصطادون به الدرهم والدينار. لا يتعففون عن الأكل بالدين، وعدم الانتصار له حفاظا على هذه المأكلة.

ويشهد لما نقوله عنهم غير مفترين عليهم، أن نوازل الناس تفتقدهم، ليس خوفا وجبنا في جبلتهم، وإنما هو الخوف على ما ينفحونهم به، فيخافون أن يتوقف صبيبها عنهم. وإذا غاب جدول الناس، فلن تغيب أنهار ومحيطات رب الناس. ولكن من يعقل عنك هذه.

شارك المقال