تنشر « أخبار اليوم »، على حلقات، مرافعة الزميل توفيق بوعشرين، التي قدمها في آخر جلسة من جلسات محاكمته الابتدائية، وفيها يشرح ملابسات اعتقاله، وما سبقه ذلك الاعتقال من محاكمات ومضايقات طالت تجربته الصحافية المستقلة ووخطه التحريري النقدي الذي لم تخف جهات عديدة انزعاجها منه.
على إدارة وتأسيس أكثر من ثمانية صحف ورقية ومجلات ومواقع إلكترونية، وكلها كانت ناجحة، وفي كل هذه المهام التي اضطلعت بها، كنت أشرف على إدارة مئات الصحافيين والإداريين والتقنيين والتجاريين، رجالا ونساءً، ولم يسبق خلال 25 سنة أن أقدمت إحداهن على اتهامي بما يروج في هذا الملف على لسان بعض النسوة اللائي سُخرن كحطب يابس لإحراقي والانتقام من سيرتي الصحافية المزعجة. لقد كنت أكتب، يوميا، عمودا صحفيا نقديا لمدة أكثر من 14 سنة متواصلة وبدون انقطاع، بنبرة قل كلمتك وامش؛ قل كلمتك في وجه كل الاختلالات التي تعرفها إدارة الشأن العام، قل كلمتك وامش في وجه الظلم والفساد والريع واستغلال النفوذ وخلط السلطة بالمال.
لكن هذه النبرة أزعجت أوساطا كثيرة في عالم السياسة والمال والأحزاب وجماعات الضغط وأقطاب الريع وحتى بعض دوائر القرار في الدول العربية، مثل تونس على عهد بنعلي، والإمارات العربية، والسعودية التي تقدمت بشكاية ضدي قبل أسابيع من اعتقالي، وكان وزير الخارجية والتعاون المغربي، ناصر بوريطة، قد حاول إطفاء نار غضب محمد بن سلمان الذي استاء من افتتاحيتي التي نشرتها أسابيع قبل اعتقالي، وصرح لوسائل الإعلام الرسمية، داعيا الإعلام المغربي إلى توقير المملكة العربية السعودية، وكان في ذلك يقصدني، لأنني كنت قد كتبت في ذلك الأسبوع افتتاحيتي التي عنوانها « أمير يبيع الوهم »، ناقشت فيها مشروع بنسلمان لتحديث مملكته، بلا سب ولا قذف وبأقل كثيرا مما يصدر في الصحافة الفرنسية والاسبانية والأمريكية. لكن للأسف إخواننا العرب لا يستطيعون أن يحتجوا على الحكومة الفرنسية أو على قصر الإيليزي أو على إسبانيا، على مقال ينشر في « لوموند » أو « لوفيغارو » أو « نييويورك تايمز » أو « إلباييس » أو غيرها من الجرائد، لكنهم يتصورون أن صحف العالم العربي كلها تديرها السلطة أو هي قادرة على إدارتها، ويعتبرون أن كتابة هذه الصحف عنهم فيها نوع من الإساءة إليهم، ونوع من الضغط عليهم. والشكاية التي وضعتها السلطات السعودية ضدي موجودة لدى رئيس الحكومة، وقد أخبرني بهذه المعلومة وزيران في الحكومة اطلعا على هذه الشكاية التي لم تُحرَّك، وجاء بعدها هذا الملف.
محاكمة لو
أعرف أنه من الطبيعي أن يخلق الصحافي أعداءً كثرا في طريقه، خاصة إذا كان صوته مسموعا وقلمه مؤثرا. ودون أن يبحث الصحافي عن المتاعب، فإن المتاعب تبحث عن الصحافي. ولهذا أثير عناية المحكمة إلى استحضار طبيعة عمل الصحافي ومخاطر مهنته وكثرة خصومه وأعدائه، خاصة المفتوحة شهوتهم على الدوام للتخلص منه وإسكات صوته، وأحيانا بكل الطرق، حتى تلك التي تقع في دائرة المحرمات القانونية والأخلاقية والدينية. لقد اعتدت على بيع آلاف النسخ من جريدتي، لكنني لم أكن أبيع معها ضميري ولا قيم مهنتي، ولا شرف قلمي، كل هذا في مناخ سياسي واقتصادي معاد لحرية الصحافة في بلاد في طريق النمو، وفي مناخ أصبحت فيه الصحف والمجلات والإذاعات والمواقع لها ثمن وليس لها قيمة، والفرق شاسع بين الثمن والقيمة.
لقد عشت محنا كثيرة لكي أبقى قابضا على هذا الجمر، وهذه المهنة النبيلة، ولكي أحافظ على نظافة جريدتي وموقعي واسمي وتوقيعي، وقد ولجت قاعات المحاكمة عشرات المرات، كان ذلك سنة 2009، عندما أغلقت وزارة الداخلية جريدتي حتى قبل صدور حكم، وخارج القانون، مع أن قانون الصحافة منذ 2002 لم يعد يعطي وزارة الداخلية الحق في إغلاق الصحف إلا بحكم قضائي. لقد شمعت وزارة الداخلية مقر الجريدة ومنعت صدورها، خلافا للقانون، فيما عرف بمحاكمة الكاريكاتور، وقد خرجت من المحكمة بسنوات من السجن موقوف التنفيذ، وبمئات الملايين من الدراهم كغرامة، وأصبحت هذه المحاكمة تسمى « محاكمة لو » لأن المحكمة اعتبرت أن الرسم الكاريكاتوري المنشور « لو أكمل لأصبح عبارة عن نجمة سداسية »، وهذا فيه إساءة للعلم الوطني. لقد جاؤوا بنص قانوني يحاكم على الإساءة للعلم وهو نص وضع لأجل مناصري البوليساريو، كما يحدث الآن عندما أتابع بقانون الاتجار بالبشر. لقد كان محاميَّ هو الأستاذ مصطفى الرميد، وكان، حينئذ، برلمانيا وعضوا بلجنة التشريع، وقال إن هذا النص وضع لأجل عناصر بوليساريو الداخل الذين يحرقون العلم الوطني في العيون والداخلة والسمارة، ولم يتم سن النص لأجل محاكمة الصحافة، وقد تم إسقاط ذلك الحكم في محكمة النقض التي قالت بأنه لا يمكن أن نعتمد على « لو » لإدانة صحافي. ولكن مع ذلك اجتررت مخلفات وخسائر ومتاعب ووقوف أمام المحكمة.
دخلت التاريخ..
وبعدما صار سجن الصحافيين بجرائم الصحافة مكلفا سياسيا وحقوقيا، في الداخل والخارج، مررنا إلى المحاكمات المقنعة بغطاء الحق العام، وذلك لتخفيف كلفة كتم الأصوات ومصادرة حرية التعبير والنشر. وهكذا اخترعوا لي، سنة 2009، ملفا آخر بتهمة النصب والاحتيال، بدعوى أنني لم أدفع قسطا من « النوار » بعدما اشتريت فيلا ولم أباشر إجراءات البيع مع صاحبها أمام الموثق.
وقد رفعت دعوى مدنية بالبائع قصد إتمام البيع حكمت لصالحي ابتدائيا واستينافيا وأمام محكمة النقض، كان ذلك في 2006، لكنهم أوعزوا إلى البائع بأن يقدم شكاية أخرى بالنصب والاحتيال، حيث ادعى البائع بأنني وعدته بـ »النوار » ولم أسلمه إياه، دون أن يدلي بأي دليل أو يأتي بأي شاهد، مع أن البائع سلك الطريق المدني وقدم مذكرة مضادة، ولم يحكم له، ومع ذلك جرى تحريك هذا الملف وتمت فيه إدانتي بستة أشهر موقوفة التنفيذ، ومازال الملف رائجا أمام محكمة النقض. وأمام محكمة الاستيناف رفض القاضي أو امتنع أو اختار تأجيل البث في هذا الملف، وكان أمامه ملف زجري، والملف المدني مازال لم يبث فيه أمام القضاء، فتم إرجاء البث، وهاتفني وزير العدل محمد الناصري، رحمه الله، وقال لي بأنني دخلت التاريخ، لأن القاعدة هي أن « الجنائي يعقل المدني » وفي حالتك وجدنا أن المدني يعقل الجنائي، ومازالت هذه القضية جارية لحد الآن أمام محكمة النقض. يذكر أن وزارة الخارجية الأمريكية كانت قد تطرقت، في تقريرها عن حقوق الإنسان في المغرب، الصادر في يونيو 2015، إلى هذا الملف معتبرة أنه يدخل في إطار التضييق على حرية الصحافة المستقلة، وذكّرت الخارجية الأمريكية بأن القضاء المدني برأني في كل مراحل التقاضي، وان جهات في السلطة أعادت فتح الملف جنحيا من اجل الانتقام مني. كما أن ائتلاف الجمعيات الحقوقية المغربية المشكل من 21 جمعية حقوقية كان قد تبنى هذا الملف، واعتبر أن الأحكام الصادرة فيه غير قانونية وان إرادة الانتقام مني على كتاباتي هي من حرك هذه الدعوة. وراسل دفاعي وزارة العدل لفتح تحقيق في الموضوع بناء على المعطيات الجديدة والصادمة التي كشفتها تطورات الأحداث.
منطق بوش..
لقد كان ذلك ذلك كان بمثابة تحذير لي من خطورة التمادي في درب إعلام الحقيقة، رغم أنني لم أكن معارضا للنظام أو راديكاليا في أي طرح، ولا محسوبا على أي جهة، لكنها خطورة المصداقية، وخطورة الموضوعية في بلاد يتصور بعض المسؤولين فيها أن الصحافي إما معهم أو ضدهم، وهذا هو منطق جورج بوش، لكنني لم أكن مستعدا لأكون لا مع زيد ولا مع عمرو. ولم يثبت أنني اختبأت وراء مهنتي للحصول على حصانة على ما يجرمه القانون. إنني أعرف بأنني أمارس مهنة الصحافة في بلاد على عتبة الانتقال الديمقراطي، بصعوباته ومخاضاته وصعوده ونزوله، وهذا التردد في ولوج نادي الديمقراطيات العريقة والتصالح مع الصحافة وحرية الرأي هو سبب مآسي عديدة نعيشها اليوم في وطننا العزيز.
الماثل أمام المحكمة، عرضت عليه أموال كثيرة وعروض عديدة ووعود لحل كل مشاكله مع القضاء والإدارة وشركات الإعلانات التي تسيس الإشهار وتضع دفاتر التحملات أمام ناشري الصحف والمواقع والإذاعات، حتى وإن لم تكن هاته الدفاتر مرئية، ولكنها محسوسة وملموسة. لكن الماثل أمامكم كان يعتذر بلباقة أحيانا عن المال مقابل الحرية. لقد كنت أقول إن تلك صفقة لا تعنيني وأنني أفضل الكفاف والعفاف والغنى عن المال القذر، وأن المغاربة يستحقون صحافة نظيفة وذات مصداقية. وذات مرة قلت لمسؤول كبير كان يحاول إقناعي بتليين خط تحريري، والاستعانة ببعض ملايين الدراهم: « هل تريد لصحافة بلادنا اليوم، صحافة العهد الجديد وجرأتها، أن تصل كلها إلى الوضع الذي وصف به الملك الحسن الثاني رحمه الله، في إحدى المرات صحافة المعارضة؟ »، فسألني المسؤول الكبير: « وبماذا وصف الحسن الثاني صحف المعارضة »، فأجبته، لقد قال: « لا توجد أية معلومة صحيحة في هذه الجرائد، باستثناء معلومتين اثنين هما: تاريخ صدور الجريدة وثمن بيعها »، فضحك ذلك المسؤول.
بوعشرين وخاشقجي
لقد جربت ثلاثة أجيال من محاربة الصحافة وحرية التعبير؛ الجيل الأول الاعتداء على الصحافة، إما بالمصادرة القانونية أو غير القانونية، وبالرقابة القبلية على الصحف. والجيل الثاني التضييق على الصحف والصحافيين وسجنهم بمقتضى قانون الصحافة القديم الذي كان يعج بالعقوبات الحبسية وكان ينظم الرقابة ولا ينظم الحرية. أما الجيل الثالث من مسلسل الصراع مع الصحافة فهو محاكمة الصحافيين بجرائم الحق العام وبجنايات خطيرة مثلما هو الحال اليوم، فهناك للأسف الشديد ظروف تخفيف دولية تسمح للسلطات في العالم العربي كله بالتنكيل بالصحافيين، بعد القضاء على الصحافة واستقلاليتها. وتشهدون اليوم الجريمة الوحشية التي ارتكبها مسؤول سعودي ضد صديقه جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول.
إن جر الصحافي إلى المحكمة بتهم جنائية دون الالتفات إلى ضمانات المحاكمة العادلة، ولا مقتضيات المسطرة الجنائية، ليس فقط اعتداءً على حرية الصحافة، بل هو اعتداء على حقوق آلاف القراء الذين كانوا يطالعون ما كان يكتب، اتفاقا واختلافا، ومن هنا ينبع الاعتداء المزدوج على حرية الصحافة، ولهذا خصصت الشرعة الدولية ضمانات خاصة لحرية الرأي والتعبير والصحافة، لأن جريمتها متعدية إلى غيرها من الأطراف.
لقد تعرضت خلال جلسات محاكمتي للتخوين والاتهام في وطنيتي، فقط لأنني انتدبت محاميين أجنبيين للدفاع عني، بعدما جرى الضغط على عدد من أفراد هيئة دفاعي وتخويفهم، وهي بدعة لم يعرف المغرب في كل تاريخه مثيلا لها. وإذا كان حق الدفاع دائما مكفول، فيكفي الرجوع إلى خزانة التاريخ والذاكرة. لقد كان الراحل احمد رضى اكديرة محاميا بالرباط، وكان في مقدمة أصحاب الوزرة السوداء ممن دافعوا عن المتهمين بانقلاب الطائرة في 1972، وما عاتبه صديقه وملكه الحسن الثاني رحمه الله ولا آخذه على دور المحامي الذي كان يلعبه حتى عندما جرَّح في الجنرال احمد الديليمي الذي كان جزءً من الهيئة القضائية العسكرية التي كانت تنظر في جرائم المس بأمن النظام وأمن الدولة، لأن الدليمي كان في الطائرة الملكية التي تعرضت لهجوم الانقلابيين، وبالتالي فإن الدليمي أصبح خصما ولا يصح أن يكون حكما. ولم يؤاخذ أحد أحمد رضى اكديرة الذي انتصب للدفاع عن هؤلاء ولم يخطر في باله أن ينهض محامي، يعرف نفسه كحقوقي، ليسب زميلا له، كل ذنبه أنه اختير من طرف منظمة هيومن رايتس ووتش مراقبا لهاته المحاكمة، فما الذي يضيره أن يراقب الأستاذ عبد العزيز النويضي هذه المحاكمة، إذا كانت هذه هي أنظف محاكمة شهدها القضاء المغربي، حسب زعم هذا المحامي الذي سب الأستاذ النويضي، إلا أن يكون هو نفسه يشك في هذه المحاكمة ويريد أن يبعد عنها عيون منظمة حقوقية دولية؟
إن حب الوطن لا يتناقض مع رفض الظلم، والوطنية لا تعني الخضوع للقهر. وقد قال الإمام علي كرم الله وجهه: « الفقر في الوطن غربة، والغنى في الغربة وطن »، وقياسا عليه فالعدل في الغربة وطن والظلم في الوطن غربة. إن الشرطة القضائية والنيابة العامة والدرك الملكي يختزلون الوطن فيهم، مع أن معارضتهم ومساءلتهم وحتى التجريح فيهم، لا يعني في شيء المس بالوطن. الوطن للجميع للمغاربة كلهم، أما هذه فمؤسسات فتصيب وتخطئ.