الدكتور أحمد كافي أستاذ التعليم العالي للدراسات الإسلامية الدار البيضاء
وما قيل في الجواب عن سؤال: هل كانت لمالك عداوة مع الأسئلة الافتراضية أم لا؟ فهو الذي به قسموا في تاريخ التشريع الإسلامي المدارس إلى مدرستين: مدرسة الرأي ومدرسة الأثر.
الأولى اشتهر بها الأحناف، وتهجم على الأسئلة الافتراضية، وتقدم الأجوبة رياضة منهم في الفقه، وتدريبا على الحجج واستعمالاتها، وتربية على الجدل وتفتيق الأجوبة. وهو استجابة طبيعية لأرض العراق وما وراء النهرين، حيث فرق المتكلمين، والنحل المتعددة، والملل القديمة… فكان الجو الذي يعيشه أهل الأديان مع بعضهم، بحاجة إلى أن يتمهر طلبة العلم على فنون الجدل وألوانه.
وقد كان أبو حنيفة النعمان يعقد الجلسات العلمية للرأي، حيث ينازعه أصحابه المقاييس، فإن دخل بهم عالم الاستحسان كانت الغلبة له.
الثانية: وهي التي لمالك فيها الريادة، والضجر من الجواب عن الأسئلة الافتراضية. وليس ذلك منه تورعا من الجواب. فقد عرف عن الإمام مالك أنه خليط من مدرستين عظيمتين، هما مدرسة النص ومدرسة العقل. فهو يزواج بين الأثر والرأي، يعتمدهما معا في فقهه وأعماله. وكان وهو في هذا الاختيار على النقيض من الذين اختاروا الانحياز إلى الأثر، أو الذين عظموا الرأي. بل كان رحمه الله تعالى مستعينا بالرأي في الآثار، وبالآثار في تسديد الرأي، فهما عندهما عملة واحدة يستعان بوجهيها في العملية التشريعية. وكان كثيرا ما تبخبخ بهذا الاختيار، ويعتز بأنه من خريجي الرأي الذي أعطى للفقه حلاوة، والتي افتقدها الذين زهدوا في إعمال الرأي. وكان مما قاله: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة ». وربيعة من كبار شيوخ مالك، وهو المشهور بـ: ربيعة الرأي.
غير أن الرأي عنده ليس طرفا فكريا، وأعمالا ذهنية رياضية يتدرب بها على الأمور التي لا توجد في واقع الناس ودنياهم.
وأثر عن مالك أنه كثيرا ما سئل عن المسألة، فسأل عنها: أو توجد هذه الواقعة في حياة الناس.
نعم، اشتهرت هذه المقولة عن الإمام مالك رحمه الله تعالى، وعرف بأنه كان يفزع إليها كثيرا عندما توجه إليه الأسئلة والاستفسارات من الناس، فكان يسألهم عما سألوا عنه: أوقعت؟ فيقولون: لا. فيجيبهم: ذروها أو دعوها حتى تقع.
قال اللقاني: « وقد كان مالك يسأل عن المسألة فيقول: هل وقعت؟ فإن قيل: نعم، أجاب فيها. وإلا ترك، وقال: إذا وقعت يسر الله لها جوابا » (منار أصول الفتوى وقواعد الإفتاء بالأقوى).
وهذا يؤكد أنه قادر على الإجابة إن كانت وقعت فعلا ونزلت بالناس، فيتحتم عليهم أن يعرفوا الحكم الشرعي لما نزل بهم. فيكون مطالبا بالاجتهاد وإفراغ وسعه لتكييف الحكم الفقهي المناسب. وهو وغيره في وسع من أمره إن لم تقع أن لا يتكلفوا جوابا ولا يبذلوا جهده من أجله.
لا يفهم منها الإقلال أو الدعوة إليه، وإنما الفهم المتبادر الذي لا يمكن دفعه، هو عدم الرضا بتكلف الجواب عما لم يقع. فما لم يقع لا يعنيه البحث عن جوابه. وبمفهومه أنه مستعد للجواب إذا نزلت، كما هو منطوق قوله: دعوها حتى تقع، فإذا وقعت نستعد للبلاء.
واختار منهجه بعض المالكية، ومنهم: عبد الرحمن بن عيسى بن محمد، يعرف بابن مدارج أبو المطرف. فقد ترجم له القاضي عياض، قائلا عنه: « وكان لا يجيب في نازلة حتى تقع ».
فلم يكن رفض الإمام مالك الدخول في الجواب عن الأسئلة الافتراضية تورعا كما قال كثير من القائلين، وأنه لم يكن يريد أن يريد الإكثار من الإفتاء. فإن ذلك تكذبه شواهد ما أفتى به، فإن بلغت الألوف التي يعد بها صاحبها من المكثرين في الفتوى، وليس من المقلين.
وهذا الدليل كاف لوحده أن ينسف مقولة التورع، وأنه رحمه الله تعالى لم يكن يتهيب الجواب إذا تعين، قياما لله بالحجة.