بنشماش.. وافد جديد مطالب بالرحيل

03/06/2019 - 13:00
بنشماش.. وافد جديد مطالب بالرحيل

واجه جلّ الذين تعاقبوا على الأمانة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة، صعوبات واضطرابات داخلية وخارجية، لكن أكثرهم مواجهة للمحن كان بدون منازع الأمين العام الحالي حكيم بنشماش، فمن هو هذا « المجهول » الذي تخرّج من زنزانة « الأوباش » في رأي الحسن الثاني وأصبح في ظرف قياسي الرجل الرابع في الترتيب البروتوكولي لكبار مسؤولي الدولة، بعد الملك ورئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب؟

أفضل بطاقة تعريف بقائد الجرار، هي الشهادة الموثقة بالصوت والصورة التي قدّمها أمام هيئة الإنصاف والمصالحة في إحدى جلسات الاستماع التي نظمتها عام 2005 بمدينة الحسيمة، فهي طافحة بالعبارات النابعة من عمق روح كئيبة وحزينة، وقد تكون أولى دروب تفسير هذا الصعود الصاروخي وما رافقه من إصرار على الوصول، ولو أجمع الآخرون على خرقه لكل قوانين المرور.

« أنا عاجز عن التخلص من هذه الكآبة التي تخنق أنفاسي، وصارت أيضا تخنق أنفاس أشخاص أبرياء هم أفراد أسرتي، في مقدمتهم زوجتي الطيبة التي رافقتني ولازالت، والتي تحملتني وصبرت، عاجز عن إيجاد أجوبة للأسئلة المقلقة التي تطرحها عليّ ابنتي ملاك، وهي تسألني ببراءة: « ماذا حل بك أبتي، أنت الحزين الغاضب دوما؟ »، يقول بنشماش في شهادته القوية عام 2005.

مصدر يتقاسم مع حكيم بنشماش الانتماء الريفي وتجربة الاعتقال والسجن خلال أحداث 1984، قال إن أهم ما يجب التركيز عليه واستحضاره خلال محاولة رسم معالم هذه الشخصية الجديدة في مربع « السلطة »، هو بعدها الريفي. « عليكم أن تعودوا قليلا إلى التاريخ، لتتأكدوا أن الأمر تعلّق حينها بجيل تعرّض لظلم جديد بعد ظلم جيل الآباء المقاومين، فأنا وحكيم بنشماش اعتقلنا وعذّبنا في السجن أولا، لأننا أبناء الحسيمة ».

بعد سنوات من التحصيل الجامعي أعقبت مغادرته السجن، ولج حكيم بنشماش بسرعة سلك الوظيفة العمومية عبر وزارة التعليم العالي كموظف، ثم انتقل إلى التدريس كأستاذ مساعد بمدينة مكناس، وبقي منذ ذلك الحين يتنقل بين مدينتي الرباط ومكناس، إلى أن أصبح مستشارا برلمانيا واستقر مهنيا داخل جامعة الرباط. استقرار لم يحصل عليه هذا الريفي الطموح إلا بعد وصول زميله في الحزب الجديد حينها وغريمه حاليا، أحمد اخشيشن، إلى تولى حقيبة التعليم العالي في حكومة عباس الفاسي، وكان منصبه ذاك حاسما في حصول بنشماش على الانتقال من العاصمة الإسماعيلية إلى الرباطـ، رغم اعتراض مسؤولي جامعة محمد الخامس ودخولهم في معركة مقاومة هذا الوافد الجديد عليهم.

بدا بنشماش، دائما، كما لو أن قوة خارقة تقف وراءه وتعمل على صعوده سياسيا ولو تطلب الأمر فرضه على دائرة انتخابية في الرباط، « فاز » فيها على يساري اسمه محمد الساسي. « قد يبدو الأمر إفراطا في تحميله المسؤوليات، لكنه في الحقيقة نتيجة لحرص الحزب على توظيف ورقة رجل يمكنه أن ينتج أثرا سياسيا. ففي مقابل شخصية إلياس العماري المثيرة للجدل والريبة معا، كان هناك دائما بحث عن شخصية لها وجه أكاديمي وحكيم له هذه الخاصية، بالإضافة إلى قدراته الخطابية ولغته العربية »، يقول مقرّب من بنشماش.

كان أحد الموقعين على وثيقة تأسيس « حركة لكل الديمقراطيين » عام 2007، التي رعاها صديق الملك ووزير داخليته سابقا ومستشاره حاليا، فؤاد عالي الهمة. فيما كانت جمعية « أريد » المعروفة في بعض الأوساط باسم « اللوبي الريفي » بوابته الأولى نحو المصعد، « فهي المحطة التي برز فيها بقوة بعد سنوات من ابتعاده عن الأنظار. كنا كأطر ريفية نعمل ونلتقي في سياقات مختلفة، لكن حكيم كان نادر الظهور، خاصة في التسعينيات »، يقول أحد مصادر « أخبار اليوم »، مضيفا أن ظهوره الجديد مع مطلع « العهد الجديد » جعله يكون قريبا من « دينامية إلياس العماري ».

ظهوره المفاجئ قبل أقل من عقد وركوبه مصعد الصعود السريع، كان جزءا من مشروع حزبي قام على هذه الفكرة، « فالأمر لم يقتصر عليه، بل إن وجوها كثيرة ظهرت فجأة مثل الحبيب بلكوش وإدريس بلماحي، وكان لكل من هؤلاء دور معيّن، ويجمعهم البحث عن إطار جديد يحرّك المياه الراكضة »، يقول أحد مهندسي حركة لكل الديمقراطيين.

اضطلع بنشماش بمواقع الواجهة والعمل الرسمي، فيما تكفّل إلياس العماري بالكواليس. حتى إذا حلّ موعد المؤتمر الوطني لحزب الجرار في فبراير 2012، كان بنشماش جوكير المرحلة وأقرب المؤسسين لخلافة الصحراوي بيد لله. لكن ورغم التأييد الكبير الذي حظي به حينها، إلا أنه أعلن رسميا رئيسا للمجلس الوطني الجديد لحزب الأصالة والمعاصرة.

مصدرا من أبناء الريف الذين رافقوا مسار بنشماش، قال إن بنشماش بالفعل لم يكن معروفا حين ترشح عام 2009 في يعقوب المنصور ونجح بفضل دعم بعض العارفين بالحقل الانتخابي لهذه المقاطعة، ووظّف لعبة توازنات دقيقة داخل الدولة، « لكن عليكم أن تكفوا عن شيطنته ». المصدر نفسه، قال إن المنطق الذي يتبناه بنشماش ومعه إلياس العماري وبعض الأطر الريفية، هو « أننا لا يمكن أن نعوّل على تحقيق أي شيء يلا شدينا الصف، لم يكن حكيم ليحلم حتى بمقعد في البرلمان لو لم يلتحق بالأصالة والمعاصرة ».

شارك المقال