يعتبر البعض أن الولادة « السياسية » لهذا الرجل الذي يقف في مواجهة حكيم بنشماش اليوم، تعود إلى أشغال المناظرة الوطنية الأولى للإعلام سنة 1993، حين اكتشفت أعين الراحل إدريس البصري رجلا « محنكا » يحسن الاشتغال على الملفات. ثم شاهده كثيرون في أولى دورات ماراطون مراكش الذي كان ينظمه حارس الحسن الثاني محمد المديوري، وهو يحمل جهاز « طولكي ولكي »، ساهرا على حسن سير وتنظيم السباق، فيما كان المرصد الوطني لحقوق الطفل سبيله إلى القرب من مركز السلطة والقرار من خلال شقيقة محمد السادس، الأميرة للامريم. فتعلم سباق المسافات الطويلة نحو كراسي الحكومة، وظل وفيا لرعاية الطفولة من خلال حمله حقيبة تعليم أبناء المغرب الثقيلة في الحكومة الأخيرة.
قبل أن يحظى بثقة محمد السادس على رأس هيأته العليا للاتصال السمعي البصري في نسختها الأولى، كان خلف الرجل مسار سياسي وعلمي، منحه الجرأة الكافية ليمثل دور المبادر الأول وصاحب القرارات الحاسمة في هيكلة القطاع. مزاوجا بين معطيات الداخل وخبرات الخارج، خاصة منها خبرة الأصدقاء الفرنسيين الرائدين في المجال. فكانت تجربته في هيأة تجسد قبضة الدولة المحكمة على مشهدها الإعلامي، جواز انتقاله لقيادة « كل الديمقراطيين ». حيث الهدوء وملكات التواصل والتبليغ البيداغوجي لدى الرجل، رسمت عنه صورة « القائد » الأمثل للحركة الأم لحزب الأصالة والمعاصرة.
من مواليد سنة 1954، بمنطقة قلعة السراغنة القروية، درس بثانوية محمد الخامس بمدينة مراكش قبل أن يلتحق بالمعهد العالي للصحافة بالعاصمة الرباط الذي تخرج منه سنة 1976، مسار تكوينه هذا لم تعطله مرحلة الاعتقال الذي تعرض له سنة 1974 بسبب انتمائه إلى حركة 23 مارس اليسارية، ليتم اقتياده من الرباط إلى عاصمة النخيل التي مكث في سجنها حوالي ثلاثة أشهر. وبعد تأديته للخدمة المدنية بالمعهد، حيث درس، طار نحو الجامعة الفرنسية ليعود بدكتوراه حول التلفزيون وتأثيره في الوسط القروي، ويبدأ مسار التدريس بالمعهد عينه، مراكما خبرة أكاديمية، وأخرى ميدانية ليشد الرحال بعد ذلك جنوبا، كخبير إعلامي لمنظمة الأمم المتحدة للزراعة بموريتانيا إلى حدود سنة 2000.
في كل تجاربه المهنية هذه ظل قريبا من تيارات اليسار متعاطفا معها، رغم عدم مصاحبته لرفاقه في النضال المؤسسين لمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي، وفي الآن عينه، محافظا على خط ساخن مع رموز السلطة وحُماتها. عمل مستشارا إعلاميا للاتحادي خالد عليوة أثناء استوزاره في حكومة اليوسفي. فيما قدم للراحل إدريس بنزكري كامل دعمه ومساعدته في أعمال هيئة الإنصاف والمصالحة، وساهم في إعداد تقرير الخمسينية الشهير. ليخلف الاتحادي الحبيب المالكي في مقعده الحكومي، واضعا قبعة التكنوقراط، والتي مكنته من الاحتفاظ بمنصبه رغم سحب فريق الأصالة والمعاصرة دعمه لحكومة الفاسي.