بوطوالة: أنا ابن فقيه وكان يجب أن أطلب الإذن من حزبـي قبل الذهــاب إلى الـحــج -حوار

04/06/2019 - 08:30
بوطوالة: أنا ابن فقيه وكان يجب أن أطلب الإذن من حزبـي قبل الذهــاب إلى الـحــج -حوار

عــلــي بوطــوالــة الكاتب الوطني لحزب الطليعة

يشارف رمضان على الرحيل، هل لمست فيه اختلافا مقارنة برمضان بالأمس؟

ذلك صحيح، وهذا الاختلاف سنة مؤكدة على جميع الأصعدة، سواء العبادات أو المعاملات الاجتماعية، أو الفطور الجماعي أو الصلوات الاجتماعية، بالأمس كانت النساء في الأحياء يحضرن السحور بشكل جماعي في الأحياء الشعبية والبوادي، وكان رمضان دائما له نكهة خاصة، بما فيها طاولات الأكل، والوجبات كانت تختلف عن الأيام العادية، سواء الفطور أو السحور أو العشاء، والعلاقات الاجتماعية كانت تزداد توطدا بالزيارات العائلية واللقاءات بين الأصدقاء. كانت الطقوس مختلفة عن الآن، اليوم تغير الفضاء الإعلامي والتواصلي بشكل جذري، وصار هناك وعي صحي وتخوف من السكريات وكل ما يضر صحيا. الأجواء كلها تغيرت.

إذا عدنا إلى الماضي، وفتحنا صندوق الذكريات، كيف كانت طفولة السي بوطوالة؟

أنا من عائلة فقيرة تنحدر من البادية بنواحي تازة بوابة الريف، وبالتالي، كانت هناك العديد من القواسم المشتركة بين طفولتي وطفولة غالبية المغاربة، كان أبي فقيها، وكنت دائما أحفظ القرآن، وقد زاوجنا بين المدرسة العصرية وحفظ القرآن في الجامع، ورغم أن أبي وأخي الكبير كانا فقيهين ومتمكنين دينيا، وكانا يطلبان منا الصلاة، إلا أنهما لم يكونا متشددين ولم يجبرانا على أدائها.

كان هناك انفتاح، وطبعا كانت الألعاب عادية، لكني منذ طفولتي ابتليت بالقراءة ومطالعة روايات المنفلوطي وجورجي زيدان، وديوان المتنبي، كنت أميل أكثر إلى ما هو أدبي، هذا طبعا في فترة الأربع سنوات الأولى من دخولي المدرسة، أما بعدها فقد حدث الانقلاب الكبير في حياتي عقب انتقالي إلى المدينة، حيث غيرت التخصص والتوجهات، وزاد طموحي إلى معرفة العالم والاستطلاع وفتح آفاق جديدة.

هل هذا الطموح هو الذي قادك إلى ولوج عالم السياسة في ستينيات القرن الماضي؟

صحيح، في الستينيات كان المغاربة جلهم مهتمين أو يشتغلون في السياسة، كان هناك حماس وطني كبير بعد الاستقلال، وكانت هناك تجمعات لأعضاء جيش التحرير، خاصة في منطقتنا، وبالتالي، كان النقاش السياسي دائما حاضرا في الجوامع والمداشر والحواضر، وكانت المواضيع الأساسية لأي مجموعة تنصب على السياسة في المغرب والعالم العربي وما وقع في حرب 67 وفلسطين.

كان المناخ مشحونا بالأفكار التحررية والقومية، وهكذا نشأت وأصابني بلاء السياسة، وأنا مازلت طفلا في سن الخامسة عشرة، حينها كنت في نهاية الإعدادي.

وبشكل تلقائي، ومنذ ذلك التاريخ، وأنا منخرط في العمل السياسي دون وعي سياسي كبير، ولكن باندفاع وحماس ورغبة في الإسهام في تغيير البلاد، وعمل شيء للوطن والمستقبل. بدأت في الانخراط في التنظيمات السرية الموجودة دون تخطيط، ولم أعِ حقيقة خطورة المسألة إلى أن وجدت نفسي معتقلا في درب مولاي الشريف سنة 74، مع أساتذة وأطر ونخبة يسارية مهمة، ومنذ ذلك التاريخ بدأ مسار آخر، وبدأت أمارس السياسة بوعي وتبصر وتخطيط وتكوين في الأدبيات الاشتراكية على الخصوص آنذاك.

ما الذي حدث، في نظرك، حتى سقطت السياسة من اهتمام المغاربة، وحدث نوع من العزوف عن الشأن العام؟

آنذاك كانت هناك حالة استثناء مع نهج الدولة سياسة الترهيب والترغيب، إلى جانب الصراع الحاد على السلطة، والذي كان بين قوات المعارضة، الممثلة في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وبعدها الاتحاد الاشتراكي، وبين الدولة، وبالتالي، كانت السياسة مرتبطة بالخوف والخطر والاعتقال والمتابعة، وكانت هناك رهبة، وشخصيا، وحتى بعد خروجي من السجن، بقيت مراقبا، أي أن في ذلك الوقت السياسة كانت تزاوج بين ما هو سيكولوجي مرتبط بالمصير المجهول والقتل والاعتقال والخطر، وبين الحلم بالغد الأفضل وبتغيير المجتمع والعالم بأسره، خاصة أننا عايشنا الحرب الباردة، في ظل مناخ عالمي وإقليمي مشحون بتلك الأفكار والتطلعات التي ذهب ضحيتها عدد من الشباب الذين ضحوا بحياتهم من أجل العمل السياسي، في حين كان باستطاعتهم تحقيق التغيير بطرق أخرى بعيدة عن السياسة المحفوفة بالمخاطر، ثم تغير الأمر خلال منتصف التسعينيات، لم تعد هناك اعتقالات أو خوف، لكن ارتبط العمل السياسي حينها بالفساد مع ظهور الانتخابات البرلمانية والبلدية والجماعية، واغتناء العديد من الأشخاص عن طريق السياسة والعمل السياسي والريع في العمل السياسي، وهذا ما أدى، في النهاية، إلى نفور الناس. ولأوضح أكثر، كان المناضل السياسي في السابق ذا مكانة اجتماعية واعتبارية، واليوم حدث العكس تماما، حيث صار الناس ينظرون إلى السياسي باعتباره لصا ومخادعا يتسلق ظهورهم لتحقيق مصالحه الأنانية. للأسف، الفضاء العام صار موبوءا، وصارت السياسة مرتبطة بالريع والفساد.

وظهور مصطلح «زواج المال والسلطة»؟

نعم تماما، لأن الفصل بين الجانب الأخلاقي والسياسي أثر فينا كثيرا، ما حدث من فصل للسياسة عن الصدق والاستقامة أفسد الحياة السياسية من جهة، وأثر في مصداقية الأحزاب من جهة أخرى، وأثر، بالتالي، في المجتمع بشكل عام وفي سلوك المواطنين.

ما هي الأمور التي كنت تريد دائما تحقيقها لكن السياسة منعتك أو أبعدتك عنها؟

في الماضي، ومنذ طفولتي كنت أود أن أصير كاتبا كبيرا وأسهم في المجال العلمي والاقتصادي، خاصة أنني من جيل السبعينيات، إذ نعد أول جيل درس العلوم الاقتصادية بمنهجية جديدة مختلفة عن الستينيات، وكنا من فاس ومكناس ووجدة نشكل فقط قسمين يضمان أقل من 70 تلميذا، وكلهم وصلوا إلى مستويات عليا، واغتنوا من هذا التخصص إلا أنا أو من اختار معي طريق السياسة، والانخراط في العمل السياسي، حيث تعرضنا للمحاصرة والتضييق، وحرمنا من مجموعة من الفرص، بما فيها استكمال الدراسة في الخارج، أي أن السياسة، للأسف، أثرت فعلا في سقف الطموحات، وجعلته ينخفض، وكان لهذا تأثير أيضا في الجانب المادي وجانب الدخل.

(أقاطعه) هل رفاقك في حاجة إلى الإقناع من أجل أن تمارس قناعاتك وحريتك الفردية والدينية؟ هل الحزب يمارس الوصاية الدينية على أعضائه؟

لا، فقط لكي لا يفاجؤوا، لكني صراحة كنت متخوفا من رد فعلهم، لذلك تراجعت عن إخبارهم تجنبا لأن تكون هناك معارضة قوية، وأجد نفسي محرجا في الاختيار، لذلك قررت، وأنا في كامل وعيي، أن أذهب ثم أحضر نفسي لمواجهة الانتقادات فيما بعد، وتحمل مسؤوليتي بخصوص كل النتائج المترتبة على ذلك. أنا فعلا نشأت في أسرة متدينة، ولم أكن مجبرا على أداء الواجبات الدينية بالزجر أو الإرغام، وبالتالي، كبرت وأنا أعتبر أنه من البدهي أن أمارس هذه الأمور دون تصنع وتفكير، فهي تدخل في إطار الحياة الشخصية والخاصة ولا علاقة لها بالآخرين.

مادام الأمر كذلك، ما سبب هذا التحامل الذي نهجه حزبك الطليعة ودفعك إلى تقديم الاستقالة؟

من جهة، هناك سوء الفهم لدى المجموعة، لكن الرفاق الذين انتقدوا عدم إعلامي إياهم هم محقون، فباعتباري المسؤول الأول في الحزب، كان يجب أن أخبر، على الأقل، رفاقي في الكتابة الوطنية واللجنة المركزية، وأن أسعى إلى إقناعهم بالأمر، وأن أستشيرهم. هذه مسألة مفهومة ومقبولة، لكن التجريح والإدانة دون مبرر لم يكونا أبدا مقبولين أو مفهومين، لأن قيام أي مغربي بطقوسه الدينية ليست له مضاعفات على أي أحد آخر، حتى وإن كان بعض اليساريين يرون أن اليساري والقائد اليساري لا ينبغي بتاتا أن ينخرط في طقوس دينية تجعله مثل الناس العاديين، وهذا أعتبره مبالغة، خاصة في هذه المرحلة، طبعا إلى جانب تأثير حرب السعودية على اليمن آنذاك، ما زاد الطين بلة.

اتهمك البعض من أبناء الحزب بارتكاب أكبر خيانة للمبادئ والأفكار التي أسس عليها الحزب، فيما دعاك آخرون إلى الالتحاق بحزب العدالة والتنمية. ما رأيك؟

إنه تفكير سطحي، المفروض أن يحاسَب المناضل الحزبي على التزاماته ونضالاته وصدقه واستقامته ومواقفه من الفساد والريع، وأنا أقول دائما إننا نحن اليساريين ليست لدينا كتب مقدسة، لكن لدينا قضايا مقدسة من بينها الحرية، العدالة الاجتماعية، الديمقراطية، وحقوق الإنسان بصفة عامة. ليست مهمتنا هي محاربة التدين، بل محاربة الريع والفساد والاستبداد.

يربط الكثيرون اليسار بالإلحاد، ما السبب في ذلك في نظرك؟

هذا من سوء الفهم، حيث إن الماركسية صيغت، في منتصف القرن التاسع عشر، في وسط ومناخ أوروبي مطبوع بمعاداة المسيحية والكنيسة بالخصوص، وبالتالي، تناولت الأمر بشكل جانبي، أما في المغرب أو العالم العربي، فإننا لم نعش صراعا ضد المسجد، وبالتالي، يجب ألا يقبل حدوث إسقاط ما حدث في أوروبا علينا، وبالتالي، فإن تناول المسألة الدينية والقومية كان خاطئا عند كثير من اليساريين العرب، لكن هناك أحزابا، مثل الحزب الشيوعي السوداني، وتجارب أخرى كانت مختلفة وتحترم الدين، ولها منخرطون يمارسون شعائرهم الدينية دون أدنى حرج، وحتى في المغرب، في اجتماعات الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، كان الشهيد المهدي بنبركة يوقف الاجتماعات مرارا في مواقيت الصلاة، هذا لم يكن غريبا في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، بل بالعكس كان هذا دليل اندماج وسط المجتمع، لأن التدين في بلدنا يفوق 80 في المائة بالنسبة إلى الشعب المغربي.

صرحت لـ«أخبار اليوم» سابقا بأنك ذهبت إلى الحج بصفتك مرافقا لزوجتك وليس لتؤدي هذا المنسك. ما صحة ذلك إذن؟

هذا تأويل طبعا، كل قال ما يريد أن يقوله، لكن ورفاقي يعرفون أن لدي رأيا مخالفا في هذه المسائل، سواء الواجبات الدينية أو التعامل مع الدين، وسبق أن أشرت إلى آخر كتاب يتطرق إلى هذا الموضوع، وهو لسوسيولوجي من أمريكا اللاتينية تحت عنوان: «ماركس في 2020»، يتمحور حول المواضيع التي لم يتناولها ماركس خلال القرن الـ19، كالبيئة والدين، وهي مواضيع تطرح نفسها بإلحاح على الاشتراكيين وعلى كافة التقدميين، وينبغي أن يجدوا لها معالجة صحيحة، لأن الفكر الاشتراكي عموما ليس دينا جديدا، وليس بديلا عن ديانات أخرى، بل هو فكر سياسي، اجتماعي واقتصادي يروم تحرير الإنسان من كافة أنواع الاستغلال والاستلاب، وبناء مجتمع الحرية والعدالة.

في نظرك، هل الحزب الذي يشهر عداوته لدين تعتنقه أغلبية مواطني البلد يمكنه كسب الأصوات في الانتخابات؟ ربما هذه الأفكار ستبقيه في الهامش. طبعا أقول هذا بعد عودتكم إلى الساحة الانتخابية بعد انقطاع دام أزيد من 30 سنة؟

للأسف، ما يروج عن معاداة حزب الطليعة، وباقي أحزاب اليسار في المغرب للدين غير صحيح، لأنها بالأساس لم تتخذ موقفا رسميا بهذا الخصوص، لكن بعض مناضلي هذه الأحزاب لم يعجبهم ولن يعجبهم هذا الخلط بين ما هو ديني وما هو تقدمي ويساري، فهم يريدون الوضوح، ونحن نميز بين الدين باعتباره عقيدة ومعاملات، وبين توظيفه في السياسة، وهذا خطير جدا، وهو استعمال الخطاب الديني لجلب الأصوات، وهذا ما نحاربه في اليسار، لأن هذا استبلاد للناس مقابل الحصول على مناصب في الدولة والحكومة والبرلمان وغيرها. هؤلاء بالنسبة إلينا كمن يستعمل المال لشراء الأصوات، وقد بينت تجارب العالم العربي بشكل جلي أن ما قامت به بعض الجماعات والقوى الدينية أساء إلى الدين في مصر وتونس والمغرب والأردن أكثر من اليساريين.

تقصد حزب العدالة والتنمية ذا المرجعية الدينية؟ لكن بعض أحزاب اليسار سعت بكل الطرق إلى تشكيل الأغلبية الحكومية معه طوال الحكومتين المتعاقبتين؟

أنا أقصد كل شخص، سواء في العدالة والتنمية أو في أي تيار سياسي يستعمل الدين بإصرار لخداع الناس، مع احترامي لمن يعتقد فعلا أنه سيبني مجتمعا إسلاميا. أنا أحترم القناعات حتى وإن اختلفت معها.

بعد واقعة الحج، كيف هي علاقتك بالطليعة وباليسار عموما؟

كما كانت تماما، أمارس جميع مهامي باعتباري كاتبا عاما، وعلاقتي برفاقي جيدة جدا كما كانت دائما. نعم حصل هناك سوء فهم، لكن فيما بعد عادت الأمور إلى نصابها، ولم يعد هناك أي مشكل، خاصة أن أكثرية التعليقات على الواقعة إلى جانب الإعلام كانت إلى جانبي، وما لم يعجب المناضلين هو أن تُستغل تلك الواقعة لتشويه سمعة الحزب.

هل الاستقالة أتت إذن في لحظة ضعف أم كانت ورقة ضغط آنذاك؟

كانت لوضع الأمور في نصابها ولإزالة أي لبس، ربما لم يكن يجب طرحها بتلك الصيغة وذلك الشكل ما أحدث ضجة إعلامية، لكن الهدف كان أساسا هو أن أوضح موقفي، وأن أنفي نهائيا الشائعات، لأني لم أقدم استقالتي بسبب الحزب، بل بسبب اتهامي بالذهاب إلى جانب الوفد الرسمي والاستفادة من ريع الدولة، وهذا خبر مغلوط كليا ومجانب للصواب، وأنا أثبتّ بالحجج أنه لا علاقة بي بكل هذه الاتهامات المغرضة التي تسيء إلى الحزب.

لنختم دردشتنا الصاخبة بسؤال فلسفي: كيف هي نظرك إلى الحياة اليوم؟

(يضحك) الحياة أصبحت صعبة ومعقدة، وابتعدت إلى حد ما عن البساطة التي كان الإنسان يكافح فيها فقط من أجل الاستقرار والأكل والنوم. صار إيقاع الحياة متسارعا إلى درجة أن الإنسان صار يرغب في التوقف لالتقاط أنفاسه، وهذه التحولات التكنولوجية التي اعتمدتها الدول الغربية فرضت على مجتمعاتنا المتخلفة أو السائرة نحو النمو إيقاعا سريعا يصاحبه التوتر والقلق، سواء بالنسبة إلى الفرد أو الجماعة، لذلك وجب اعتماد العقل والعلم لفهم ما يجري، والتحكم في مجريات الأحداث.

شارك المقال