الدكتور أحمد كافي أستاذ التعليم العالي للدراسات الإسلامية الدار البيضاء
وأساس رفض مالك هو اعتقاده أن الفتوى أو الرأي يتوقف أساسا على الإحاطة الدقيقة بواقعه، فإن كان معدوما، فإنه كان يخشى على نفسه أن يؤخذ جوابه المجرد بعد ذلك، ويتم إلباسه لواقع لم يكن يخطر على بالِ الإمام.
وبه يتبين أن الخلفية العلمية المؤطرة لمقولة الإمام مالك رحمه لله تعالى لا يوجد فيها معاداة للسؤال أو التضييق على حرية الرأي والفكر أو تهرب من الجواب لإزالة الضلالة عن المكلفين، الوارد في قوله تعالى: « وما كان لله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون » (التوبة:115). فحاجة الناس لبيان ما نزل بهم ضرورةٌ في الإنقاذ من الضلال والتيه. ولقد قعدوا لذلك بالقول: ترك البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
إن خلفية هذه المقولة (ذروها حتى تقع) هو حرص الإمام مالك حرصا شديدا على تجنب منزلقات الفكر والفتوى، وذلك بأن يستعمل الآخرون تلك الجوابات في غير ما أجاب الإمام عنها مجردة، أو أن يحتج بها في غير موضع الاحتجاج، أو يعمل بها فيما لا يجوز العمل به. وهي فطنة عاليةـ عنده رحمه لله تعالى ـ وليست تهربا من الجواب.
وهذه الفتاوى الكثيرة عن الإمام مالك رحمه لله تعالى لم يخترعها من عند نفسه أو من خلال التدريب الفقهي على الفقه والنوازل، وهو الكاره للافتراضات والاحتمالات الأرأيتية، لتدل دلالة قاطعة على أنه كان معنيا بالواقع كما تدل فتاواه الكثيرة عما نزل بالناس.
إن هذه الواقعات هي التي تكلم فيها الإمام رحمه لله تعالى واكتفى بها، لأنها مما ينفع الناس علم الواجب الشرعي فيها.
وأما المتوقعات فهي وإن كان للخيال فيها مسرح كبير، ولكنها لن تكون في كثرتها تصل إلى كثرة النوازل الواقعية. ولا أدل على ذلك من أن ما اشتغل به الأرأيتيون لم يبلغ في مجموعه ما ذكر عن الإمام مما أفتى به ودونوه عنه.
وقد أثر عن الإمام مالك رحمه لله تعالى في جمهور مسائله أن له في النازلة الواحدة أكثر من رواية، حتى إنها لتبلغ ست روايات في الواحدة منها. ومرد هذا التعدد إلى ما يلي:
أولا: إن من التعدد في الرواية عن مالك يعود إلى تراجعه عن قوله الأول، فبعد أن هدي فيه إلى رشده ورأى كما يرى العلماء الصالحون أن الحق قديم لا يبطل، فإنه لا يتردد في الرجوع عن فتواه، ولا يرى أي منقصة في اتباع الأولى والأحق.
ومن نماذج ذلك: فتواه القائمة على ترك التخليل في الوضوء، ثم تبينت له السنة وأن الفتوى لم تكن موفقة، فتراجع عنها بعد ذلك.
روى ابن وهب الواقعة كما حضرها، فقال: « سئل الإمام مالك عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء، فقال: ليس ذلك على الناس، فتركته حتى خف الناس، فقلت له: عندنا في ذلك سنة. قال: وما هي؟ قلت: حدثنا الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث، وابن لهيعة عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبي عبد الرحمان الحلي عن المستورد بن شداد الأوسي قال: رأيت رسول لله صلى لله عليه وسلم يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه. فقال: إن هذا الحديث حسن، وما سمعت به قط إلا الساعة، ثم سمعته بعد ذلك سئل فأمر بتخليل الأصابع ».
وهذا النوع قليل جدا بالمقارنة مع الروايات التي لم يتراجع عنها.
ثانيا: ومن المسائل ما كان جوابه فيها حسب الواقع الذي وجد بين نظره وهو يفتي في النازلة. والتي غالبا ما تكون بسبب اختلاف السائل، أو باختلاف زمن السؤال، أو مكانه.. أو غيرها من الاعتبارات التي استنبط منها أهل العلم قاعدة شرعية غير منكورة، وهي قولهم: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان والعوائد والنيات.