غويتيسولو بالعربي.. بنعلي وأوفقير والدلمي -الحلقة 2

02/07/2019 - 18:21
غويتيسولو بالعربي.. بنعلي وأوفقير والدلمي -الحلقة 2

بعد مرور سنتين على وفاته يوم 4 يوينو 2017، تعيد «أخبار اليوم» خلال هذا الصيف نشر، في حلقات، مجموعة من المقالات التي سبق ونشرها الكاتب الإسباني العالمي خوان غويتيسولو (ازداد سنة 1931) ، في صحيفة «إلباييس» منذ سنة 2000 حول المغرب، بشكل خاص، والمغرب الكبير والعالم العالم، عامة.

في تونس لا يصل قمع السلطة إلى ما كانت عليه من قبل أساليب العسكرييْن أوفقير والدليمي بالمغرب؛ لا توجد دوريات قمع شاملة، أو قوائم لا حصر لها من الضحايا مثل أولئك الذين يظهرون في المغرب الجديد مثلما تسطع الشمس في يوم جميل. الخوف المستبطن في تونس، من لدن النواة المهنية والنقابية والجامعية المعارضة للنظام، يشرح كيف أنه في الوقت الذي يستمر النظام في التنكيل بالمعارضين الذين يرفضون حكمه المطلق وتعسفه، يتقلص، في المقابل، عدد الأشخاص المستعدين للانبطاح له.

يسهر الأخ الأكبر على إخراس الشعب وإخضاعه. يأكل التونسيون ويصمتون. إنهم يعلمون أنه في مناطق أخرى لا يجد كثيرون ما يأكلونه، لذلك، يجب عليهم التزام الصمت.
إن التمجيد الاستفتائي الشعبي لزين العابدين بنعلي، الذي أعيد انتخابه قبل أيام من وصولي إلى تونس بنسبة 99 في المائة من الأصوات، ترافقه رقابة صارمة على وسائل الإعلام. الصحافة الفرنسية المعروضة في الأكشاك، التي تصل إلى جزء مهم من السكان، تجدها ممثلة بالأساس في الصحف الأسبوعية الرياضية ومجلات القلوب.

أسألُ في الأكشاك الكبيرة في شارع بورقيبة عن بعض الجرائد المعروفة: «هل لديكم لوموند؟» لا، لم تصل. «وLe Nouvel Observateur»؟ الشيء نفسه. «حسنا، أعطني Libération». يتجاهل صاحب الكشك كلامي. «ولوموند دبلوماتيك؟» هذه المرة يرفع عينيه إلى السماء، كما يحدث عادة في تركيا. التغييرات السياسية في تونس يجري وأدها؛ كل فكرة عن التغيير تقلق. وبالتالي، أبحث بين صفحات Le Renouveau -التي لا تتجدد أبدًا- وLe Temps -التي تخطط خارج الوقت والسياق- عن أي إشارة إلى المشاكل السياسية أو الاجتماعية في البلد، لكن دون جدوى. بكل بساطة، لا توجد مشاكل في عيون هذا النوع من المنابر الإعلامية. فقط أسطوانة واحدة ووحيدة تردد يوميا؛ مدح على شرف الرئيس.

على طول أرصفة وسط العاصمة، وعلى الجدران والنوافذ، تبرز صورة بنعلي واسعة الانتشار مكتوب عليها «خيار بلد». لكن، إذا كان الممثل واحدًا، فإن أزياء الرئيس والرمزية التي تعززه تقدم اختلافات رائعة. يظهر بنعلي فيها عرابا، بشعر أسود مصبوغ أو شعر مستعار (باروكة) جرى تسريحه بعناية، بعيدا عن الشعر الجامد. زيه الأكثر شيوعا يمثله معطف الصباح مع أزرار وربطة عنق القوس.

وشريط أحمر يخترق الصدر بين السترة والقميص، وقلادة ملونة مخصصة للشخصيات المرموقة أو المكرمين بدرجة الدكتورة الفخرية؛ وميدالية ذهبية مع أشرطة ولوحات وسط الحجاب الحاجز. كما تُظهره لوحات أخرى وهو يلوح بيده، مبتسماً دائمًا، بجانب العلم الوطني، أو في صورة شخصية بين هذا العلم الوطني وطفلين يظهر كما لو أنه جرى دفعهما بجرأة إلى المستقبل. بل أكثر من ذلك يظهر يفرك يديه برضا كما لو أنه شخص انتهى للتو من عد أرباح لعبة رائعة في البورصة، أو حصل على الجائزة الكبرى في اليانصيب. مازالت توليفات أزياء الرئيس تستحق وصفًا دقيقا؛ قمصان أحادية اللون ذات طوق نجمي لا تشوبه شائبة، وربطات عنق زرقاء أو مخملية أو منقوشة؛ والسترات الرمادية أو البيج أو الزرقاء الداكنة، والأوشحة الحريرية التي يبرز أعلاها من الجيب العلوي للبذلة المصممة.

يحتل بنعلي بفخر كرسيا كستنائيا بذراعين ذهبيتين، على منوال لويس السادس عشر الذي يظهر في المسلسلات التلفزيونية المصرية.

شارك المقال