لعبة إسقاط الأقنعة.. مدخل إلى مشروع الرواية السياسية

03/07/2019 - 23:21
لعبة إسقاط الأقنعة.. مدخل إلى مشروع الرواية السياسية

عبد العزيز مطيع

ماذا يجب على كتاب الرواية السياسية أن يفعلوه كي يصبحوا أكثر إثارة للاهتمام؟ هذا الفن ليس سهلا، فهو يحمل رسالته في ذاته. رسالة ممتعة بقدر ما هي خطرة. في هذه السلسلة، يحاول الكاتب أن يؤسس لتصور حول مشروع للطريقة التي ينبغي أن تكون عليها الرواية السياسية.

تركز الرواية السياسية على القضايا السياسية المحلية، والوطنية، والقطرية، والقومية، والكونية، وتعالجها من منظورات عدة، وفي علاقة بمكونات مخصوصة من مجال السياسة الواسع، وهي بذلك تعمل على الوقوف على مظاهر الاستبداد، ومصادرة حقوق الإنسان، وغياب العدالة الاجتماعية. لكن المشكلة هي إن كل هذه القضايا تقع في باب الممنوعات والمحظور أو الطابوهات (الخطوط الحمراء التي ترسمها المخيلة الاجتماعية)، وخصوصا في السياقات التي ما تزال تعاني من ضعف الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والتضييق على حريات التعبير، إلى درجة أن كتاب الرواية السياسية قد يلجؤون إلى الكثير من الحيل لإخفاء خطابهم، ورؤاهم السياسية، والتخفي وراء الأقنعة المتعددة والمرور عبر اللغة التخيلية لإنتاج السرد السياسي لواقعهم الحياتي، سواء كتجربة ذاتية عاشوا محنتها أو تجربة عايشوها في أوطانهم التي تفتقر للحرية في التعبير، ويمتزج فيها خطاب التخويف والترهيب بخطاب الوعد والوعيد.

من البديهي أن يشعر الكاتب بالحرج، وحتى بالخوف من الإقدام على تجربة الكتابة الروائية في السياسة، وهو في ذلك محاصر بما يشهده في واقعه من الاعتقالات والاختفاءات والمحاكمات الصورية التي تزج بالكتاب في السجون. إن أول وجه للخوف هنا هو الخوف من اقتحام الكتابة الأصيلة والصادقة لنقل فظاعة الواقع الحقيقي، وكيف أنه في ظل الأنظمة الديكتاتورية والقمعية يتم هدر حق الإنسان في الصراخ ضد الظلم، وفي توظيف الكلمة الملتزمة كسلاح ضد الطغيان والاستبداد.

فكل كاتب روائي تملكته الشجاعة الأدبية، والجرأة السياسية على اقتحام هذه العوالم، ووصفها سواء بشكل مباشر أو بشكل متخيل، وتحريك شخوص روايته لوصف عوالم الفساد والفوضى في ظل الأنظمة السياسية المتهالكة، يمكن اعتباره بحق مناضلا سياسيا، ومترافعا بخصوص قضايا مجتمعه، وعلى رأسها حقه في التعبير الحر، ونصيبه من العيش بسلام بعيدا على هواجس الخوف أو التخويف.

فما قيمة النظام السياسي الذي لا يمنح الشعور بالأمان والأمل لمواطنيه؟ وهنا نتذكر كلام سبينوزا الفيلسوف الهولندي الذي جعل غاية الدولة تكمن في توفير الحرية (حرية التعبير)، والأمن، وعدم الترهيب. وكتاب الرواية السياسية قد يلجؤون في ظروف معينة إلى توظيف الأسماء المستعارة أو إلى توظيف اللغة الاستعارية والمجازية.

فعبر تاريخ الأدب الممتد، كان بعض الروائيين يختارون التخفي خلف أسماء مستعارة لظروف متفاوتة، إلا أنه سرعان ما يكتشف أمرهم، ولو بعد حين. واختيار الشاعر أو الروائي اسماً مستعاراً له، كان- ولا يزال- تقليداً وعرفاً أدبياً، يلجأ إليه الأدب طوعاً تارة، وكراهية تارة أخرى. بحيث نجد أن هذه الظاهرة راجت بشكل كبير في الأنظمة الدكتاتورية وفترات الحروب وحقبات الاحتلال والاستعمار، إذ يختبئ الكاتب خلف اسم مستعار ليكتب من ورائه أدباً ونثراً بجرأة عالية، حتى يقي نفسه شر الاعتقال والتعذيب حتى الموت.

وهناك من أطلق على هؤلاء الكتاب اسم « الاستعاريون »، وهم الذين يتوارون خلف أسمائهم الوهمية لنيل قسط من الحرية والتحدث بطلاقة، بعيداً عن أعين السلطة والرقابة السياسية، والرقابة الدينية أو الاجتماعية. وحتى لإحداث الفصل بين شخصياتهم الحقيقية وشخصياتهم الأدبية.

ونجد في التاريخ الأدبي الكثير من هذه النماذج، لعل أشهرها:

إريك آرثر بلير، وهو الاسم الحقيقي لـ »جورج أورويل »، كاتب رواية « مزرعة الحيوان » التي أطلقها عام 1945م، ووصف فيها حالته المادية، إذ كان فقيراً، محاولاً أن يحمي عائلته من الإحراج، وهي الرواية التي وصفها هو نفسه في رسالة إلى أحد أصدقائه بأنها مناهضة لستالين، ففي هذه الرواية برع أورويل في أن يُجرى نوعًا من الحكمة السياسية الساخرة والممتعة على ألسنة الحيوانات، تكشف التناقض الحاد بين الشعارات الثورية وممارسات الحكام بعد الثورة، على خلفية نقده اللاذع للديكتاتور السوفيتي جوزيف ستالين.. لكنه يتجاوز ذلك أيضًا ليغوص بعيدًا في أعماق الحيوانات التي منها ــ وليس على رأسها ــ وللأسف الإنسان. إلا أن كل ذلك تم تحت غطاء اسم مستعار، وكما سبقت الإشارة إلى ذلك، فالدافع هنا مزدوج. فمن جهة يروم التخفي، ومن جهة ثانية يتحاشى جلب الإحراج للعائلة (بالرغم من أن النضال السياسي بالكلمة الملتزمة لا يلطخ الاسم العائلي، بل يزيدها فخرا وعزة لأنه يسهم في الدفاع عن الديمقراطية)، وروايته المشهورة والذائعة الصيت 1984، ستحمل نفس الاسم المستعار أيضا.

شارك المقال