عبد العزيز مطيع
ماذا يجب على كتاب الرواية السياسية أن يفعلوه كي يصبحوا أكثر إثارة للاهتمام؟ هذا الفن ليس سهلا، فهو يحمل رسالته في ذاته. رسالة ممتعة بقدر ما هي خطرة. في هذه السلسلة، يحاول الكاتب أن يؤسس لتصور حول مشروع للطريقة التي ينبغي أن تكون عليها الرواية السياسية.
ومن مظاهر الاستبداد السياسي القديم الصراع بين الرجل والأنثى، والتقليل من مكانة المرأة، واعتبار الكتابة مهنة ذكورية بالأساس، » أكتوبر 1811، صدرت رواية « »العقل والعاطفة » للكاتبة الإنجليزية « جين أوستن »، أحد أهم الأصوات الأدبية في القرن الأخير، تحت اسم « سيدة ». كانت جين في الخامسة والثلاثين حينما صدرت الطبعة الأولى من الرواية، وإن كانت قد كتبت الرواية في الأصل في شكل رسائل، وهي في الـ19. لم تكن الساحة الاجتماعية وقتها تسمح بظهور كاتبة بشخصيتها. ما فعلته جين كان ثوريًّا بطريقة ما، لأن الاسم الذي اختارته كان معبِّرًا عن جنسها.
وفي العالم العربي، ليس ثمة تجارب كثيرة للمؤلفين بأسماء مستعارة. لعل أشهر تجربة في هذا المجال هي لأدونيس، الذي أخفى اسمه الحقيقي ‘’علي أحمد سعيد’’، أما أنسي الحاج فكتب بعدة أسماء منها ‘’سراب العارف’’ و’’عابر’’، وكتب توفيق يوسف عواد باسم ‘’حمّاد’’، وفؤاد حداد باسم ‘’أبو الحن’’، وعائشة عبد الرحمن باسم ‘’بنت الشاطئ’’، وأصدر رئيف خوري كتيبا عن فلسطين باسم ‘’الفتى العربي’’، وكتب غسان كنفاني مقالات باسم ‘’فارس فارس’’، واختار الروائي ‘’حسن داوود‘’ اسمه هذا، بدلا من اسمه الحقيقي ‘’حسن زبيب’’، وكتب ‘’إلياس خوري’’ باسم ‘’خليل أيوب’’ و’’مروان العاصي’’، وكتب ‘’بشارة عبد الله الخوري’’ باسم ‘’الأخطل الصغير’’، كما وقعت مــاري إليـــاس زيــــادة باسم ‘’كنار’’، و’’ماريا‘’ و’’مي زيادة‘’..
أما عن طبيعة هذه الأسماء، فلكل اسم قصة ومعنى، فأدباء اختاروا اسماً مستعاراً واحداً، وآخر اختار لكل رواية اسماً مختلفاً، ومنهم من كتب بأسماء قريبة من أسمائهم الصريحة، ومنهم من اختار لقباً أو كنية أو حروفاً رمزية، فيما وصل الأمر إلى تشارك أديبين أو أكثر في اسم مستعار واحد واستخدموه بالتناوب، وظهرت روايات بأسماء رجال كان مؤلفوها هن روائيات، والعكس.
وهاجس الخوف يتراءى في الرواية السياسية على مستويين: مستوى الشكل، ومستوى المضمون.
فعلى مستوى الشكل يتم تغيير طبيعة الخطاب الروائي الذي يتسم بالغموض أحيانا، وبالتخفي وراء الكثير من الأقنعة أو اللجوء إلى استعمال الحيوان بدل الشخصيات الآدمية، ونجد لها نموذجا في رواية ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة. ويتراءى غالبا في العتبات المراوغة أحيانا، كعناوين الروايات نفسها، وكتابة المقدمات للتبرير السيكولوجي اللاوعي أحيانا أخرى، وللتأكيد على أن ما قيل فيها ليس بالضرورة ذا علاقة مباشرة بالواقع وبشخوصه. كما أنه لا يحيل إلى أحداث أو شخصيات بعينها، وهنا تأتي تلك العبارة السحرية التي تخفي وراءها الكثير من الخوف، « أي تشابه بين الشخصيات أو الأماكن أو الأحداث هو مجرد محض صدفة ولا تمت بِصلة للواقع ».
وعلى مستوى المضمون، يتم أحيانا اختيار الأسلوب غير المباشر لإثارة القضايا السياسية، أو التلميح إليها بشكل عرضي. وأحيانا كثرة اللف والدوران حول الموضوعات السياسية، وتحاشي الخوض المباشر في القضايا السياسية. وهو للأسف ما يضعف الرواية السياسية أحيانا، ويقلل من قيمتها. بالرغم من أن النقاد يعملون على فضح هذه العلاقة الملتبسة بين الخوف والكتابة.
وهناك الكثير من الأدباء الذين جعلوا من مفعولات الخوف السياسي أو الخوف المتزامن مع الأحداث السياسية موضوعا لرواياتهم، وهكذا نجد رواية « زمن الخوف » لمؤلفها المغربي أحمد الكنبوري الذي وصف الخوف ليس في زمن واحد بل في أزمنة ثلاثة عوض زمن واحد للخوف، كما تسعى الرواية من خلال عنوانها إلى توجيه القارئ، ففي روايته تنتظم ثلاثة أزمنة للخوف. يتعلق الأمر بزمن الكتابة الراهن (2015 المثقل بمرويات وأحداث الإرهاب)، وما يكتنزه في ثناياه من أسئلة حول مقصدية الكاتب من ترهين أحداث تنتمي إلى اللحظة الاستقلالية (1956). وزمن الحكي العائد إلى سبعينيات القرن الفائت، ثم الزمن الوسيط كما يجلوه التفاعل بين زمن القصة، وزمن الخطاب، مصعدا من تلك البؤرة التي انتسجت حولها دوائر السرد الروائي يناير 1956. فالرواية تغوص بنا في حالة الهلع والخوف المتزامن مع الأحداث السياسية الوطنية التي لا تخلو من قسوة ووحشية.