قضى الفقيه بينبين مدة تناهز 31 عاما يشتغل مؤنسا للملك الحسن الثاني.. ابنه ماحي بينبين، اختار توثيق هذه التجربة المثيرة في رواية «مؤنس الملك» التي تمت ترجمتها لعدة لغات.. في هذه الحلقات نجري حوارا مع الروائي والفنان ماحي بينبين، وقصته مع والده، كما ننشر أبرز فصول الرواية.
القرب من السلطة يولّد وحوشا، فقد ينتج أحيانا أشخاصا جليلين كان من الممكن وصفهم بالقدّيسين لو عاشوا في زمن آخر. باستثناء الموسيقي ساهر والدكتور مورا الذي لا يمكن الاستغناء عنهما. كان محيط سيدي يتألف من زمرة أشخاص عديمي الأخلاق، لا يملكون ذرّة من الاستقامة أو الإنسانية. وخلال السنوات الطويلة التي قضيتها بجانب سيدي، تسنّى لي أن أشاهد حالات استثنائية، وغريبة، ومفاجئة حتى بالنسبة إلى رجل مثقف تحوّل إلى مؤنس في بلاط الملك. لكنني أصبحت من أجل البقاء شخصًا انتهازيَّا. ولم أعد أتردّد في استغلال أخطاء زملائي لأتميز عنهم، وقد كان ذلك سهلا جدا لشدّة غبائهم. كانت أفعالهم ينبوعا لا ينضب من القصص التي أملأ بها النوادي، والفكاهات المطلوب مني سردها دائمًا. كان سيدي يغضّ الطرف عن عجز الآخرين. لكنه لم يتسامح قطّ مع أيّ هفوة أقع فيها. فمكانتي كفقيه، والتي فرضتها على الآخرين منذ اليوم الأوّل، لم تكن تسمح بأيّ تراجع في أدائي. كان على كلّ كلمة أقولها أن تساوي وزنها ذهبا من حيث اللياقة والذكاء. كانت حماقات رفاقي خير عون لي في عملي وجعلتني أصل به إلى الكمال، وأمدّني جهلهم المعيب بخشبة خلاص، بل بعصّي أضربهم بها، وخيطان ثمينة أحوك بها رواياتي وأطرّزها بكثير من الخيال. وأحيانا كنت أدخل عنوة في شقوق أدمغتهم الصغيرة، وأدع قريحتي تصول وتجول كما تشاء، فأحوّل السخرية إلى فن راقٍ. كنت كراسمي الكاريكاتور أضخم ملامحهم إلى حد تسخيفها، بدون أن أقع في فخ التجريح. ومع ذلك، كم مرة لجمت في اللحظة الأخيرة كلمات قاتلة، جارحة، تسعى إلى الثأر .. كم مرة رغبت في الانتقام من القزم المفترس الذي يتمتع بحظوة الملك .. ذلك الكائن الأسود القصير القامة الذي اجتمعت فيه حقارة الغيرة، والخبث، وسوء النية حتى بات أول المكروهين في مجموعتنا. حشرة تنفث سمومها في كل مكان، وكتلة من الأشواك ترعب المجموعة بكاملها، برغم أن نفخة واحدة تكفي لطرحه أرضّا. أشعر بالخجل ممّا سأقوله الآن، لكن وبصراحة، ومع أنّني أضمرت له كرهّا شديدًا فقد كنت أجده ظريفًا أحيانا، بل في غاية الطرافة، حين ينقض كوحش ضارٍ ممزقا بمخالبه السامّة شخصا أعزل، خجولاً، يبتسم رغمّا عنه. من الصعب أن يدافع المرء عن نفسه بوجه الهزء حين يكون الجمهور ضدّه. وقد كان ذلك المشعوذ قادرّا على عزل فريسته بسهولة، كحيوان ضار، ليقدمها لنا وجبة سائغة.
كان سيدي يشجعه باسمًا على أن يستفيض في جنونه وكأن ما يقوله ليس سوى كلام الملك نفسه. بتعبير آخر، كان الملك مستعدّا ليأكل مزيدًا من الثوم مادامت الرائحة الكريهة ستخرج من فم القزم. كان هذا الأخير يهاجم الآخرين، لكنّه تحاشى مهاجمتي مباشرة. بل كان يفعل ذلك مداورة وتلميحا كالجبناء. عرف نقطة ضعفي، فلم يوفر فرصة للتذكير بها، فيقول عبارات مثل « الكلاب لا تنجب هررة »، أو « دم الخيانة يُورث »، أول ألف تلميح آخر إلى ابني المتمرد على الملك والقابع في أحد سجون الجنوب.
كان الرّد على هجماته سينزلني إلى مستواه، لكنني لم أعد مستعدا لأدعه ينجو بأقواله.
بل بعكس ذلك. كانت ردودي دائما على قدر استفزازاته. فيتلقى بدوره الضربات بدون أن يبدر عنه أي ردّ فعل. كنا متكافئين في لعبة توجيه الإهانات. فنشأت بيننا هدنة طبيعية. كانت هشة طبعا، ولكن كما يحدث غالبا في الحروب الباردة، دامت فترة أطول بكثير مما كان متوقعا.