محمد بن زايد.. الزعيم الأقوى في العالم العربي

15 يوليو 2019 - 08:06

في سنه الثامنة والخمسين، يظل ولي عهد الإمارات المتحدة العربية، التي هي واحدة من أصغر الدول العربية، الرجل الأكثر تأثيرا، سواء لدى الأمير السعودي محمد بنسلمان أو لدى واشنطن، وذلك على الرغم من إخفاقاته على المستوى الإقليمي. فهو يتقاسم مع «دونالد ترامب» نفس الكراهية تجاه إيران، وتجاه الإخوان المسلمين، كما يتقاسمان نفس الرغبة في إيجاد حل نهائي للنزاع الإسرائيلي- العربي.

@ ترجمة: إبراهيم الخشباني

في سنة 1999، وبعد بضعة شهور عن غزو الكويت من طرف العراق، كان الأمير محمد بن زايد وهو في سن التاسعة والعشرين يرأس حينها السلاح الجوي الإماراتي الجد متواضع، قد حل بواشنطن من أجل الحصول على السلاح. الكمية الكبيرة من الأسلحة التي كان الأمير الشاب يريد شراءها حتى يتمكن من حماية مملكته البترولية جعلت الكونغريس يتخوف من أن يُحدث اختلالات عميقة ولا توازن في المنطقة.

غير أن واشنطن كانت تبحث عن حلفاء مرنين وقابلين للاستيعاب والخضوع، وجدت فيه شريكا واعدا. فالابن المفضل لذلك البدوي الشبه أُمِّي الذي أسس الإمارات المتحدة العربية، محمد بن زايد آل نهيان، كان رجلا مناسبا، ربان هيليكوبتر كَوَّنه البريطانيون الذين كانوا قد أقنعوا والده بتحويل أربعة ملايير من الدولارات إلى الخزينة الأمريكية للمساعدة في تمويل الحرب على العراق في سنة 1991.

وهكذا أصر ريشارد آلان كلارك، نائب وزير الخارجية حينها على طمأنة النواب. فهذا الأمير الشاب، حسب الشهادة التي قدمها “كلارك” أمام الكونغريس: «ليس، ولن يمثل أبدا أي تهديد للاستقرار أو للسلم في المنطقةٍ، هذا ما لا يمكن تصوره. بل أستطيع أن أقول إن بلده يعمل من أجل السلام».

وبعد ذلك بثلاثين سنة ها هو ولي عهد أبو ظبي في سنه الثامنة والخمسين، وهو على رأس الإمارات المتحدة العربية، بلا منازع، قد صار الزعيم الأقوى في العالم العربي. ويعد كذلك من بين الشخصيات الأجنبية الأكثر تأثيرا في واشنطن، يَحُث الولايات المتحدة الأمريكية على اتباع استراتيجيته الأكثر توجها نحو الحروب في المنطقة.

عدد سكان بلده أقل من تعداد سكان أصغر ولاية أمريكية. ولكن محمد بن زايد هو بلا ريب أغنى رجل في العالم. فهو يتحكم في ثروة سيادية تبلغ قيمتها 1 300 مليار دولار، وهي ثروة تفوق ما يملكه أي بلد آخر.

براعته في الإقناع لدى واشنطن تعتبر خرافية، فجيشه اليوم هو الأقوى في العالم العربي، إذ بفضل تعاونه مع الولايات المتحدة الأمريكية تمكن من تجهيز جيشه بآليات مراقبة من آخر ما أنتجته معامل السلاح هناك، ولها قوة يبلغ مداها أبعد بكثير من حدود بلاده.

على مدى عدةِ عشراتٍ من السنين، ظل محمد بن زايد شريكا مفضلا لدى الأمريكيين، يتتبع خطى واشنطن، غير أنه الآن أصبح يتصرف من ذات نفسه. قواته الخاصة تنشط في اليمن، وفي ليبيا، وفي الصومال، وفي جنوب سيناء بمصر. لقد سعى إلى إفشال التحولات الديمقراطية في الشرق الأوسط، وساعد في التمكين لمستبد موثوق به في مصر [المارشال عبد الفتاح السيسي]، وتثبيت أحد محظِيِّيه في الحكم في العربية السعودية.

مقرب جدا من “ترامب”

هذا الأمير المقرب الحميم من ترامب، سمح لنفسه أحيانا بالتصرف بما يعاكس الدبلوماسية الأمريكية، ولم يتردد في زعزعة استقرار دول مجاورة. وتتهمه مجموعات الدفاع عن حقوق الإنسان بالإلقاء بمعارضيه في السجون، وبمساهمته في الوضع الإنساني المتأزم في اليمن، وبمساندته للأمير السعودي، الذي قتل عملاؤه في شهر أكتوبر 2018 الصحفي المعارض جمال خاشقجي.

وعلى الرغم من كل ذلك، فمنذ وصول “ترامب” إلى السلطة، يبدو أن نفوذه في واشنطن هو أقوى منه في أي وقت مضى. فهو له علاقات ممتازة مع الرئيس الأمريكي الذي غالبا ما يتبنى وجهات نظره حول قطر، وليبيا، والعربية السعودية، مهما أثار ذلك من غضب لدى الوزراء أو كبار مسئولي الأمن القومي الأمريكي.

وحسب الدبلوماسيين الغربيين الذين يعرفون جيدا محمد بن زايد، الذي يسمونه بـ(MBZ)، فإن هذا الأخير له عدوَّان لدودان: إيران والإخوان المسلمون. وهو هوس رُهابي يتقاسمه مع “ترامب”، الذي باشر مؤخرا الإجراءات لمواصلة بيع الأسلحة في نفس الوقت للعربية السعودية وللإمارات العربية المتحدة متجاهلا ضرورة موافقة الكونغريس.

يقول عنه بين رودس، المستشار الأمني السابق في عهد الرئيس أوباما: «لدى (MBZ) موهبة خارقة للعادة في تمرير مصالحه الخاصة على أنها نصائح حكيمة». ومن بين ذلك ما أثارته التعاطفات مع الربيع العربي وكذلك الرغبة في التفاوض مع إيران من انتقادات حادة من طرف الرجل القوي في الإمارات. يقول نفس بين رودس: «عندما يتعلق الأمر بتحريك شبكات الضغط في واشنطن، فإن (MBZ) يتوفر على عبقرية حقيقية».

قبل الانتخابات الرئاسية، ضاعف الأمير محمد من جسارته حتى أنه تغلغل داخل دائرة المقربين جدا من “ترامب”، ولقد نجح في تنظيم لقاء سري خلال الفترة الانتقالية مع صهر الرئيس جاريد كوشنر. كما حاول الأمير كذلك لعب دور الوسيط بين إدارة ترامب وروسيا، وهي خطة جعلته يبرز في تقرير “مولير” حول التدخل الروسي في الرئاسيات الأمريكية.

واليوم هناك على الأقل خمسة أشخاص ممن يعملون في خدمة الأمير بن زايد هم موضع تحقيقات على خلفية هذا التقرير. فيما ظلوا على مدى الثلاثين سنة الأخيرة يترددون بانتظام على الولايات المتحدة الأمريكية، ولقد أصبح محمد بن زايد يتجنب الذهاب إلى هناك منذ سنتين. من جهة لأنه متخوف من أن تسعى العدالة الأمريكية إلى استنطاقه، أو إلى استنطاق مساعديه. أما أخوه ووزير خارجيته عبد الله بن زايد فلم يوقف سفرياته إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

ممشوق القوام ورياضي

سفارة الإمارات المتحدة العربية في واشنطن امتنعت عن الإدلاء بأي تعليق. وأما المعجبون بـ(MBZ) في الولايات المتحدة الأمريكية، وهم كُثرٌ، فيقولون إنه من باب الحكمة من جانبه أن يسعى إلى أن يكون له تأثير في السياسة الأمريكية، كما تفعل ذلك العديد من الحكومات، ويعتبرون تدخله على أنه أسلوب لتعويض انسحاب الأمريكيين من منطقة الشرق الأوسط.

أما بالنسبة لمناوئيه، فإن صعوده الصارخ يبين عن التأثرات السلبية والسيئة للاستراتيجية الأمريكية. فالأمير الشاب الذي كان مجهولا قبل أن تتبناه واشنطن، التي كانت تسعى إلى أن تجعل منه حليفا مطيعا، ها هو الآن يلقي بالزيت على نيران الشرق الأوسط. فحسب المسئولة السابقة في وزارة الخارجية الأمريكية، والعضو حاليا في معهد بروكلين، تامارا كوفمانوايث، فإنه: «بتمكين الإمارات العربية المتحدة من تكنولوجيا المراقبة عالية الجودة من آخر ما أنتجناه، ومن الفرق العسكرية والأسلحة، إننا قد قمنا بدور “فرانكينشتاين”».

إذا كان أغلب الأمراء العرب بَدْواً وأصحابَ بطون كبيرة، ويثرثرون بلا نهاية، ويحبون أن يجعلوا زوارهم ينتظرون كثيرا، فإن هذا ليس هو حال (MBZ). الذي تخرج من الأكاديمية الملكية البريطانية “سنذورست”، التي تسهر على تكوين الضباط البريطانيين. إنه يظل رجلا ممشوق القوام ورياضي، يحدث زواره عن فضائل أدوات رياضة بناء الأجسام، ولا يصل متأخرا أبدا إلى أي اجتماع. يصفه كبار الموظفين الأمريكيين دون اختلاف بكونه رجلا رزينا، مختصرا في كلامه، محبا للاستطلاع وحتى متواضع.

ولقد أشرف في عاصمته أبو ظبي على مشاريع ضخمة تربط الخط الساحلي بجزر اصطناعية. إحداها يُنتظر أن تصبح مدينة مالية مثل “وول ستريت”. وعلى أخرى يوجد الحرم الجامعي الخاص بجامعة نيويورك، ومتحفا هو نسخة عن اللوفر، ومن المنتظر بناء نسخة عن متحف “غوغنهايم” في نفس الجزيرة.

وعندما يلتقي بالأمريكيين، لا يتوقف محمد بن زايد عن التأكيد على أن الإمارات هي أكثر تقدمية من جيرانها، وضعية المرأة على الخصوص فيها أفضل: فثلث وزرائه نساء. وعلى عكس العربية السعودية فإن الإمارات العربية المتحدة تسمح ببناء كنائس مسيحية، ومعابد للهندوس وللسيخ، وذلك بهدف تلبية حاجة العمالة الأجنبية في بلاده 
(من بين 9 ملايين من ساكنة الإمارات، فإن أقل من مليون فقط هم مواطنون إماراتيون والآخرون عمال أجانب).

ورغبة منه في إثارة الانتباه إلى هذا الأمر، بادر الأمير في السنة الماضية إلى إحداث وزارة للتسامح، كما أعلن 2019 “سنة للتسامح”. واستقبل كذلك الألعاب الأولمبية الخاصة (بالرياضيين الذين يعانون من إعاقة ذهنية]، كما استقبل البابا فرانسوا.

الإمارات العربية المتحدة، اتحادية لسبع دول هي عبارة عن مدن صغيرة، من بينها إمارة أبو ظبي التي تمتلك لوحدها 6 % من الاحتياطي العالمي للبترول. وهذا ما يجعل منها هدفا مغريا لأي جار أكبر منها، على غرار إيران مثلا. التي بمجرد أن نالت الإمارات استقلالها عن المملكة المتحدة، بادر الشاه بالاستيلاء على ثلاث جزر متنازع عليها في الخليج.

الإخوان المسلمون، منظمة إسلامية تأسست منذ أزيد من تسعين عاما في مصر، ولها مكانة مهيمنة في العديد من الدول العربية. ويقول الأمير محمد بن زايد بأن له تخوفات شخصية من تأثير الإخوان. فقد كان والده قد جعل وصيا على تربيته عضوا مأثرا من جماعة الإخوان المسلمين هو عز الدين إبراهيم الذي، وفقا لما ذكره (MBZ)، حاول أن يستقطبه. إلا أنه حصل منه على نتيجة عكسية، فقد صرح (MBZ) لمجموعة من الدبلوماسيين الأمريكيين كانوا في زيارة للإمارات في سنة 2007: «أنا عربي، ومسلم وأُؤدي صلواتي». 
وجاء في وثيقة مما كشفته ويكيليكس قوله: «في سنوات السبعينات، وحتى بداية الثمانينات، كنت منهم، وأظن أن هؤلاء الناس لديهم نوايا خفية».

وحسب بعض الدبلوماسيين، فإنه لهذا السبب ظل الأمير محمد دائمًا يؤكد على أن العالم العربي ليس جاهزًا للديمقراطية: فالإسلاميون سوف يفوزون دائما بالانتخابات.

ولقد بدأت الإمارات العربية المتحدة تسمح للجيش الأمريكي بش عملياته انطلاقا من قواعد توجد في ترابها منذ حرب الخليج في سنة 1991. ومن ذلك الحين تم تجنيد فرق الأمير العسكرية وطائراته المقاتلة لدعم القوات الأمريكية في كوسوفا، وفي الصومال، وفي أفغانستان، وفي ليبيا، كما قاتلت إلى جانب الأمريكيين ضد الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).

لقد قام الأمير بتجنيد ضباط أمريكيين لقيادة جيشه، وجواسيس قدامى للإشراف على بناء جهاز مخابراته. كما تحصل على العديد من الأسلحة خلال السنوات الأربع التي سبقت 2010 أكثر من مملكات الخليج الخمس الأخرى، تضمنت 80 طائرة مطاردة من نوع F-16، و30 طائرة هليكوبتر مقاتلة من نوع “آباش”، و62 ميراج فرنسية الصنع. وهكذا… لدرجة أن بعض الضباط الأمريكيين ينعتون الإمارات العربية المتحدة بـ”سبارتا الصغيرة” (في إشارة إلى مدينة سبارتا الإغريقية القديمة والصغيرة التي تحولت إلى دولة-مدينة وأقوى دولة مهيمنة على جميع المنطقة حولها).

الحليف الإسرائيلي

إتباعا لنصائح ضباط سامين أمريكيين قدامى، مثل كاتب الدولة الأمريكي الأسبق في الدفاع جيمس ماتيس، والجنرال آلان، قام الأمير محمد بتطوير صناعة دفاعية أنتجت سيارة مدرعة هجينةأطلق عليها اسم “الوحش” كما أنتجت غيرها من المركبات التي يزود بها بالفعل زبناء له في ليبيا ومصر. بل إن بلاده بصدد الانتهاء من وضع اللمسات الأخيرة على طائرة مضادة لحرب العصابات.

ظل الأمير محمد غالبا ما يؤكد للأمريكيين بأنه يعتبر إسرائيل حليفا ضد إيران والإخوان المسلمين. ولقد وضعت فيه إسرائيل ثقتها لدرجة أنها باعت له ما أحدثته من تطويرات على ال F-16، وكذلك برمجيات للتجسس من الجيل الأخير خاصة بالهواتف النقالة.

لقد صار الكثيرون في واشنطن يعتبرون الأمير محمد أفضل صديق لأمريكا في المنطقة، حليف مخلص وموثوق يمكن الاعتماد عليه في مهام كثيرة، من محاربة النفوذ الإيراني في لبنان، إلى تمويل إعادة بناء العراق. فقد صرح السفير الأمريكي السابق في دولة الإمارات العربية المتحدة ريشارد جوستاف أولسون بالقول: «لقد كان واضحا أنه إذا ما كنتم في حاجة إلى أن يتم فعل شيء ما في الشرق الأوسط، فإن الإماراتيين سوف يتكلفون بالأمر».

ووِفق مصادر قريبة من البيت الأبيض، فإن الأمير محمد وجد في شخص الرئيس السابق باراك أوباما توأما وصِنْواً له، عندما تولى هذا الأخير مهامه في سنة 2009. فالرجلان لهما نفس اللامبالاة، ونفس الروح التحليلية، ونفس الاهتمام بالقضايا الكبرى. ويتذكر العديد من كبار موظفي البيت الأبيض أن أوباما كانت له في أغلب الأحيان مكالمات هاتفية مع الأمير محمد أكثر من أي مسؤول أجنبي آخر.

غير أن الربيع العربي جاء ليقف حاجزا بينهما. لقد مرت ريح ثورية على الشرق الأوسط. فاز الإخوان المسلمون بالانتخابات [خصوصا في مصر]، ساند باراك أوباما المطالب الديمقراطية، غير أنه اعترض على أي عمل عسكري في سوريا، حيث الانتفاضة كانت تهدد أحد أعداء الإماراتيين. ثم انكشف أن حكومته كانت تجري مفاوضات سرية مع إيران في موضوع السلاح النووي.

يقول ستيفان هادلي المستشار السابق للرئيس جوج بوش الابن في الأمن القومي، والذي استمر مقربا من الأمير: «لقد أحس الآخرون بأنهم ليس فقط تم تجاهلهم، بل وكذلك خيانتهم من طرف إدارة أوباما، وأظن أن الأمير محمد بن زايد تألم من ذلك أكثر وحتى بصفة شخصية».

إبان الانتفاضات العربية أحس الأمير بأن الإمارات المتحدة العربية هي الوحيدة من بين الدول العربية ال 22 التي لازالت واقفة، بحكومة مستقرة، واقتصاد يشتغل، وجيش كُفْءٍ، وحسب عبد الخالق عبد الله، الخبير السياسي الإماراتي القريب من الدوائر العليا في البلد: «وكذلك بإيديولوجيا معتدلة».

استدعى الأمير شركة لها ارتباط بإيريك برانس مؤسس مقاولة “بلاك ووتر”، ليكلفها بإحداث جيش من المرتزقة من كولومبيا، ومن إفريقيا الجنوبية وغيرهما. ولقد سحق أي ميل للمعارضة، اعتقل خمسة أشخاص، لأنهم وزعوا عريضة تطالب بإصلاحات ديمقراطية (لم تتمكن من تجميع إلا 132 توقيعا)، كما اعتقل عدة آلاف آخرين لمجرد الشك في تعاطفهم مع الإخوان المسلمين.

وأعاد الإماراتيون كذلك إطلاق آلتهم التأثيرية في واشنطن، فقد كانوا من بين الدول الأجنبية الأكثر إنفاقا للمال في استمالة المحامينوالمستشارين في واشنطن. بأنْ بلغ ما دفعوه لهم – حسب ما أحصاه “مركز السياسة التفاعلية” (Center for Responsive Politics)، [وهو منظمة غير حكومية تقوم بإجراء دراسات حول تأثير اللوبيات على السياسة]، 21 مليون دولار في سنة 2017. لقد برزوا بكل وضوح بسبب ملايين الدولارات التي منحوها بعد الكوارث الطبيعية التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية، وسعوا إلى أن يؤثروا على النقاش العمومي بدفع مزيد من الدولارات إلى مجموعات تفكير هامة جدا.

ولقد تلقى معهد الشرق الأوسط، وهو مركز تفكير أمريكي، مؤخرا 20 مليون دولار، ورئيس هذا المركز ليس إلا ريشارد كلارك المسئول السامي السابق الذي كان له دور كبير في التوقيع على معاهدة للدفاع مع الإمارات المتحدة العربية. وبعد مغادرته للحكومة في سنة 2003، أسس مكتب استشارات، الزبون الأساسي فيه هو الإمارات العربية المتحدة. ولم يُرد الرجل أن يرد على أسئلتنا.

اللجوء إلى مجموعات الضغط

سعى السفير الإماراتي يوسف العُتيبة إلى إقناع العديد من علاقاته في البيت الأبيض وفي الكونغرس، بأن أوباما كان في طريقه للتخلي لإيران وللإسلاميين عن المنطقة. بل إن الأمير بنفسه دافع بقوة عن هذه الفكرة لدى أعلى الدوائر الأمريكية، وقد كتب وزير الدفاع الأمريكي الأسبق روبيرت غيتس في مذكراته: «لقد صدَّع رأسي بتكرار ذلك».

وفي الشرق الأوسط، لم يكتفِ الأمير محمد بالتدخل شفويا. ففي مصر كان قد دعم الانقلاب العسكري الذي أطاح في سنة 2013 بالرئيس المنتخب، أحد زعماء الإخوان المسلمين. وفي القرن الإفريقي، أرسل قواته إلى الصومال، أولا من أجل محاربة القراصنة، ثم من أجل محاربة الإسلاميين. وأقام موانئ تجارية وقواعد بحرية حول خليج عدن.

وفي ليبيا، تخطى الأمير جميع الخطوط بتجاوزه للحظر الأمريكي والأممي على بيع السلاح عندما قام بتسليح قوات زعيم الميلشيات والرجل القوي المرتقب في هذا البلد، خليفة حفتر. ولقد شن الإماراتيون ضربات جوية على طرابلس كما أقاموا قواعد في شرق ليبيا. تُذكِّر السفيرة السابقة للولايات المتحدة الأمريكية مارسيل وهبة بأنه: «كان الأمير فيما مضى ينتظر “الضوء الأخضر” من واشنطن، أما اليوم فقد يُشْعِر، ولكنه لم يعد يطلب الإذن».

كان للإماراتيين نزاع مع جارهم العملاق السعودي، الذي بحكم كونه قوة إقليمية كبرى ومن الوزن الثقيل، وقف في وجه سياساتهم الخارجية. وفي نهاية 2014، كان منصب ولي العهد في المملكة السعودية، وأول مرشح للجلوس على العرش، يحتله أمير معروف جيدا للأمير الإماراتي، على أنه مقرب من إيران. فما كان من الأمير محمد بن زايد إلا أن تدخل في الصراع من أجل الخلافة في السعودية، بشن حملة مكتفة وظف فيها مجموعات الضغط في واشنطن من أجل مرشح آخر لم يكن معروفا من قبل: الأمير محمد بنسلمان، البالغ من العمر 29 سنة، والذي هو الابن المفضل للملك السعودي الشيخ المُسِن. وفي مارس 2015 كان الأميران يغزوان معا اليمن لمواجهة الاستيلاء على الحكم من طرف فصيل مسلح تدعمه إيران.

ثم في سنة 2017، بعد أن كان الأمير السعودي قد أحكم قبضته على السلطة، قام الرجلان معا كذلك بقطع العلاقات التجارية والدبلوماسية مع قطر بهدف إرغامها على إيقاف مساندتها للإخوان المسلمين.

نزاع قطر واليمن يتم تقديمهما في الغالب على أن العربية السعودية هي التي تشنهما، غير أنه إذا صدَّقنا مسئولين سابقين، مثل رودس، فإن الأمير الإماراتي سعى في بادئ الأمر إلى بيعهما لواشنطن.

وحسب دبلوماسيين أمريكيين، فإن الأمير محمد بن زايد، حاول كذلك في أواخر سنة 2015 الإقناع بأن الإمارات العربية المتحدة بالاشتراك مع زعامة سعودية جديدة في إمكانهما لعب دور حاسم في إعادة الفلسطينيين إلى طاولة المفاوضات.

ولكن، حتى يتمكن من ذلك فإن الأمير محمد انتظر أن تكون هناك حكومة أخرى في واشنطن، وعلى الرغم من اختلافهما، فقد احتفظ بعلاقات جيدة مع أوباما، وحسب العديد من كبار المسئولين في البيت البيض، فإن الرئيس الأمريكي السابق كان يعتقد بأنهما يتبادلان نفس الاحترام تجاه بعضهما البعض. لهذا، فعندما طلب الأمير مقابلة أخيرة بصفة ودية اقترح عليه أوباما أن يتناولا الغذاء معا في واشنطن في دجنبر 2016، غير أن الأمير محمد تراجع عن التزامه ذاك، وفضل التوجه إلى نيويورك ليكون له أول لقاء مع “جاريد كوشنر” وجها لوجه، ومعه مستشارون آخرون للرئيس المنتخب ترامب.

كان المفروض أن يبقى هذا السفر إلى نيويورك سريا، غير أن بعض عملاء المخابرات توصلوا إلى اكتشافه، وعندما أطلع عليه مستشارو “أوباما” تملكهم الذهول. بل إن الأمير محمد كان قد بدأ يعمل على أساس التحول القادم في السياسة الأمريكية، وكان يتحدث مع مستشاري ترامب حول الخطر الإيراني وحول محادثات سلام مع الفلسطينيين. وكان الأمير يقدم نفسه على أنه وسيط ممكن بين البيت الأبيض والرئيس الروسي بوتين. لماذا كان دائم السعي إلى التقريب بين روسيا ودائرة ترامب؟ هذا السؤال يمكن أن يكون موضوع نقاش مهم، ولكن وحسب دبلوماسيين أمريكيين، وكذلك حسب تسريبات لرسائل إلكترونية للسفير الإماراتي بواشنطن، فالأمير كان في سعي منذ سنوات إلى دفع بوتين إلى أخذ مسافة من إيران. واليوم، فإن العدالة الأمريكية تتحرى حول أنشطة عملاء ووسطاء الأمير الذين سعوا إلى التغلغل داخل محيط الرئيس ترامب. ولقد شملت التحريات اتصالات قام بها خلال الحملة مختص إسرائيلي في التلاعب بمواقع شبكات التواصل الاجتماعي كان يعمل لفائدة الأمير محمد، كما تتجه التحريات إلى رجل أعمال لبناني-أمريكي سبق للأمير أن اتخذه مبعوثا له. وهناك تحرٍّ يسعى إلى تحديد ما إذا كانممول جمهوري هام كانت شركته الخاصة بالأمن قد اشتغلت كذلك لفائدة الأمير، و معرفة ما إذا كان هذا المانح يمكن أن يُعلن عنه على أنه عميل من عملائه.

التجسس على الولايات المتحدة الأمريكية

مكتب الاستشارة الخاصة استجوب من جهة أخرى راشد مالك، وهو منعش عقاري إماراتي يعيش في “لوس أنجلوس”، وقريب من الأمير محمد بن زايد ومن أخيه، رئيس المخابرات الإماراتية. ومالك هذا هو نفسه قريب كذلك من أحد أصدقاء ترامب، طوم باراك، وكان المكلفون بالتحري في شأنه يسعون إلى معرفة ما إذا كان متورطا في عمليةاستغلال للنفوذ مخالِفة للقانون.

وهناك بحث آخر أطلق شرارته أحد مطلقي الإنذارات، وهو بحث يحاول أن يسلط الضوء على عمليات سيبيرنيتية، قد تكون الإمارات العربية المتحدة شنتها بمساعدة من عملاء أمريكيين سابقين للتجسس على الولايات المتحدة الأمريكية.

في كل فصل شتاء يستدعي الأمير محمد بعض الممولين وبعض قدماء الحكام والمسئولين لحضور عرض يبرز فيه قدراته التأثيرية كونيا. وقد ضمت اللائحة في شهر دجنبر الأخير الوزير الأول البريطاني الأسبق طوني بلير، والرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، ووزيرة الخريجة الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس، وهادلي المستشار السابق في الأمن القومي على عهد الرئيس بوش، والمستثمرين الأمريكيين محمد العريان، ودافيد روبينستاين، وطوماس سكوت كابلان، وخبير المعلوميات والمستثمر الصيني “كاي فو لي”. واستدعى الأمير كذلك على الرغم من كل شيء، ديميترييف، رجل الأعمال الروسي المرتبط بعلاقة وطيدة مع الرئيس بوتين.

ولم تسهم تدخلات الأمير محمد في عالم ما بعد الربيع العربي إطلاقا في استقرار المنطقة. فأحد مساعديه الذي كان قد بعثه إلى القاهرة ليساعد على إعادة إنعاش الاقتصاد المصري الذي يوجد في حالة احتضار، عاد دون أن يتمكن من فعل أي شيء. فالحكومة المصرية المسنودة من طرف الجيش، لا زالت تعتمد كليا على مليارات الدولارات التي تدفعها لها الإمارات العربية المتحدة وحلفاؤها في الخليج. وعلى الرغم من الدعم الإماراتي، وعلى الرغم من الإسناد الإسرائيلي عن طريق القصف الجوي، فإن القاهرة لا زالت لم تستطع إلى الآن أن تقضي على الانتفاضة الإسلامية في شمال سيناء. وفي ليبيا فإن خليفة حفتر رغم الدعم الإماراتي كذلك يوجد اليوم في مأزق دموي. وجهود الأمير من أجل وضع قدمه في منطقة القرن الإفريقي قد أثارت سباقا من أجل النفوذ بين خصومه، مثل تركيا وقطر. وفي الصومال، بعد أن تم اتهام الحكومة الهشة هناك بالفساد تحولت القوات الإماراتية إلى المناطق التي فيها حكم شبه ذاتي في بلدان البنط  المطلة على عدن”خليج عدن المحيط الهندي”والمحيط الهندي والبحر الأحمر، وكذلك “صوماليلاند”. وفي السنة الماضية، فإن جيبوتي قامت – بعد التأكيد على أنها قد شعرت بأنها قد أهمِلت- بتعويض الإمارات بالصين لتسيير موانئها.

المستنقع اليمني

في المملكة العربية السعودية تلطخت سمعة الأمير بما توصلت إليه مصالح الاستخبارات الأمريكية، من اتهام لتابعه السعودي بكونه قد أمر بالاغتيال الشنيع لجمال خاشقجي. المعارض السعودي وكاتب افتتاحيات في “الواشنطن بوسط” الذي كان مقيما في فرجينيا بالولايات المتحدة الأمريكية. والرجلان معا كانا وراء التدخل في اليمن الذي تحول إلى مستنقع، تسبب في ضياع شنيع للعديد من المدنيين.

ومع كل هذا، ما يزال الأمير يتمتع بتقدير كبير من طرف حكومة ترامب. فالمقاربة المسماة “من الخارج نحو الداخل” من أجل السلم الفلسطيني-الإسرائيلي، التي تجنبتها حكومة أوباما، توجد اليوم في قلب مسودة مخطط كوشنر. فترامب ظل دائما يكرر دعمه لمواقف الأمير الإماراتي: من خلال مساندته لمحميِّه السعودي في أعقاب اغتيال خاشقجي، ومن خلال الثناء على عزلة قطر، حتى عندما كان وزير خارجيته ووزير دفاعه يعارضان الحصار، ومن خلال إلغاء الاتفاق حول النووي مع إيران، ومن خلال السعي إلى إدخال الإخوان المسلمين في لائحة المجموعات الإرهابية، ومن خلال رفع الفيتو أمام مشروع كان يهدف إلى إيقاف الدعم العسكري الأمريكي الموجه إلى القوات السعودية والإماراتية في اليمن.

في شهر أبريل المنصرم أعطى ترامب موافقته علانية لزعيم المليشيات الليبية المفضل لدى الإمارات العربية المتحدة، وذلك يوما واحدا بعد مكالمة بينه وبين الأمير محمد بن زايد، هذا في نفس الوقت الذي كان فيه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو قد حث خليفة حفتر نفسه على التراجع. وفي الشهر الماضي كان ماتيس، كاتب الدولة الأمريكي الأسبق في الدفاع قد ألقى محاضرة في أبو ظبي تحت إشراف الأمير محمد، وعندما التحق بحكومة “ترامب” أعلن أنه تلقى تعويضا عن محاضرته بقيمة 000 242 دولار، بالإضافة إلى حقيبة من الأسهم كعضو في مجلس إدارة “جينرال ديناميكس”، وهي مقاولة في أمور الدفاع تقوم بأعمال تجارية مربحة مع أبو ظبي. كما أنه كان كذلك قد شغل مناصب استشارية إلى جانب الأمير. وقد صرح ماتيس هذا بالقول: «هذه سَنة التسامح، كم هي الدول التي تحتفل اليوم بسنة التسامح؟ أنا لا أعرف أية واحدة منها غير الإمارات»، ثم ختم بالقول للأمير محمد بن زايد: «إنكم نموذج ومثال».

دافيد د. كيركباتريك ‏(courrier international

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

السلامي محمد منذ سنتين

زعيم الشر او إبليس العرب

التالي