الفقيه بينبين: كنت أملك سلاح أذن الملك -الحلقة11

15/07/2019 - 22:20
الفقيه بينبين: كنت أملك سلاح أذن الملك -الحلقة11

قضى الفقيه بينبين مدة تناهز 31 عاما يشتغل مؤنسا للملك الحسن الثاني.. ابنه ماحي بينبين، اختار توثيق هذه التجربة المثيرة في رواية «مؤنس الملك» التي تمت ترجمتها لعدة لغات.. في هذه الحلقات نجري حوارا مع الروائي والفنان ماحي بينبين، وقصته مع والده، كما ننشر أبرز فصول الرواية.

كان قربي من صاحب الجلالة يمنحني غرورا لا يمكنني إخفاؤه، ونوعا من السلطة كنت أرى قوتها في نظرة خصومي. الواقع أني كنت أملك السلاح الأكثر إثارة للخوف في نظام الملكية المطلقة، أي « أذن الملك ». فالثناء على حسنات شخص ما أو القضاء عليه رهين بتلميح بسيط أدرجه في جملة عابرة. وملاحظة واحدة كانت تكفي لزرع الشك في ذهن سيدي. الوقت في وسط كهذا ضيق جدا ولا أحد يكلف نفسه التدقيق في تفاصيل الأمور. القرار يتخذ بسرعة، وغير مهم إذا ما تدحرج رأس أو وظيفة في جزء من الثانية. من يملك أذن الملك يساوي الملك قوة. لذلك فهذا القرب الميمون من جلالته هو ما صنع مني ما أنا عليه اليوم. ولله يعلم أي جهد بذلته على نفسي لئلا أسيء استعمال هذه الخطوة.

حين يدخل الملك غرفته في المساء، كنت أنتظر إشارة السيد « بريك » رئيس الخدم قبل أن أنسل سرا إلى تلك الغرفة. لم يكن سيدي يحب الضوء كثيرا فعاش في عتمة دائمة، في نصف ظلمة لا يميز فيها المرء شيئا. برغم معرفتي التامة بأمكنة المقاعد، والمناضد الصغيرة والمصابيح والطاولة الواطئة وبقية الأثاث، إلا أنني كنت أتعثر دائما. وكان يحدث أحيانا أن أبالغ في سقطتي، فأنبطح على السجادة الصوفية السميكة لأضحك الملك، كمقدمة للسهرة قبل أن أجلس على وسادة عند طرف سريره. وفي الحال أشغل نفسي بالإعداد لنوم مولاي. وما إن يضع كتابه على الطاولة المحاذية لسريره، حتى أذكر دعابة ما قبل البدء بسرد القصص التي ينتظرها. ولما كان يفضل القصص الجديدة فقد كانت المهمة صعبة. حتى حين أطلق العنان لمخيلتي، وأستقي الروايات من خزان قراءاتي الهائل، كنت أعاني عجزا في تجديدها باستمرار. لذلك كنت أتظاهر برواية قصص جديدة هي ليست في الواقع سوى قصص قديمة مجددة ومزينة بكثير من الزخارف والبلاغة. كنت أفعل ذلك بكثير من الدقة والمهارة حتى أكاد أخدع نفسي. كنت أختار حديثي بعناية وحذر كبيرين، فلا تخرج من فمي كلمة أو عبرة، أو حتى رنة واحدة إلا وغايتها تحسين الإطار الروائي للقصة التي أسردها، والتي أعمل على تعزيزها وتهذيبها وإسنادها بألف نادرة ونادرة. لم أكن أخفض صوتي إلا مع سماعي غطيط سيدي كهمس سعيد أنصت إليه بفرح، ويؤكد لي أن أحلام مولاي تحل بهدوء محل رواياتي. ولكن سيدي كان ينام أحيانا بدون أن يصدر عنه أي صوت، فأقع في الحيرة وأجهل متى علي الكف عن رواية قصتي. كان في جعبتي بعض الحيل للنجاة، فأذكر في روايتي أمرا غريبا، أو عبارة تقيم الموتى من قبورهم، كأن أقول مثلا إن هارون الرشيد استخدم المصعد الكهربائي في زمن العباسيين، فإذا لم تبدر عن الملك أية ردة فعل، أنهض بهدوء وأنتعل بابوجي وأغادر الغرفة بصمت. لكن في تلك الحيل مجازفات، وقد تتأتى عنها نتائج عكسية، كتلك المرة حين ذكرت أن أبا نواس ركب طائرة هليكوبتر في القرن الثامن ليزور عشيقته في الصحراء، فانفجر سيدي ضاحكا بقوة لم يجد بعدها سبيلا إلى النوم طوال الليل. كانت تأخذه أحيانا قهقهات أقوى منه في الوقت الذي أحاول فيه شيئا فشيئا إغراءه بالنوم. لذلك كانت تلك الطريقة كسيف ذي حدين، فإما ينجح الأمر وأتمكن من العودة إلى منزلي بهدوء، أو أفشل وأدفع ثمنا باهظا حتى شروق الشمس.

شارك المقال