الفقيه بنين بين: بعت بابوج الملكة في مزاد علني -الحلقة14

18 يوليو 2019 - 18:21

قضى الفقيه بينبين مدة تناهز 31 عاما يشتغل مؤنسا للملك الحسن الثاني.. ابنه ماحي بينبين، اختار توثيق هذه التجربة المثيرة في رواية «مؤنس الملك» التي تمت ترجمتها لعدة لغات.. في هذه الحلقات نجري حوارا مع الروائي والفنان ماحي بينبين، وقصته مع والده، كما ننشر أبرز فصول الرواية.

رغم أن الملكة لم تكن أمي، وأنا آسف لذلك، أعترف بأنني وجدت الجنة تحت قدميها ذات يوم. حقا. كان ذلك منذ وقت بعيد، عشية العيد الكبير، والذي لم يكن في الحقيقة يستهويني كثيرا لشدة ما كان يتصف بالتعب وسفك الدماء كما كان على الأخص باهظ الكلفة، لأن قبيلتي بكاملها اعتادت أن تأتي من الجنوب لتقيم عند بابي في انتظار أن يحسن إليها رفيق الملك الثري بخراف مسكينة تضحى بها في العيد. لكنني في ذلك العام لم أملك فلسا واحدا لأشتري قطيع الخرفان الذي تطالبني به عائلتي. قضيت الليل كله مهموما، جاهلا كيف أواجه المشكلة. عائلات بكاملها جلست القرفصاء منتظرة على جدار حديقة منزلي، كمن ينتظر مني سداد دين. لم يكن واردا أن أتوارى عن الأنظار، فذلك سيفسد عليهم عيدهم، كما سيقضي على مصداقيتي كفرد منهم قدر له أن ينجو من أثقال الفقر ويحلق عاليا في السماء. لذلك كان مستحيلا أن أهرب ومن جهة أخرى منعني كبريائي من أن أطلب سلفة من سيدي. شعرت بالقلق والثقة في نفس الوقت عينه، مقتنعا بأن من في حالتي، أي السعيدي الحظ، غالبا ما كانوا ينجون في اللحظة الأخيرة على أيدي كائنات تأتيهم من السماء. وقد أتاني الخلاص على يد الملكة الأم شخصيا. والواقع أن تلك السيدة النبيلة أنقدتني من الورطة في الصباح التالي حين وصلت إلى القصر رأيتها في إحدى زوايا الحديقة، تروي مساكب ملأى بزهور رائعة تخاطب الحواس بألوانها الزاهية وأشكالها الساحرة. تلك اللوحة ذكرتني على الفور بالشاعر ابن إبراهيم، فألقيت عليها قصيدة له تمتدح الوردة التي تسقي وردة أخرى وتمنحها همس النسيم وقطرات الندى وما إلى ذلك من التعابير الصباحية الرخيمة.

 

ابتسمت الملكة وقالت لي:

 

فاجأتني يا محمد. لا أملك ما أقدمه إليك في المقابل.

 

الملكة تملك دائما ما تقدمه إلى خدامها يا لالة.

 

ماذا تريد؟ وشاحي؟

 

أحد بابوجيك المذهبين يا لالة.

لماذا تريد بابوجا واحدا؟ سألتني وهي تخلع كلا البابوجين من قدميها. خذ الاثنين.

بابوج واحد يكفيني. لو أخذت الاثنين، فقد تفكر زوجتي في انتعالهما. لكن المقام الذي تزوره الملائكة لا يجوز توسيخه.

ابتسمت الملكة محتارة. على الفور، حمل إليها أحد الحراس بابوجين آخرين.

مساء ذلك اليوم، كنت أشرح لأفراد الحاشية في القاعة المأزق الذي وجدت نفسي فيه، أي حالتي المادية المزرية وجيش الفلاحين الذي يحاصر منزلي. وطلبت دعمهم لأنني كنت أنوي بيع أحد بابوجي الملكة الأم بالمزاد العلني بحضور سيدي. وجد زملائي الفكرة ظريفة ومبتكرة، فوعدوني بالمشاركة حتى النهاية. لكننا لم نطلع القزم بودا على حقيقة الأمر، لأنه كان قادرا على إفشاء السر وإفساد فرحة ما ننوي القيام به. وهكذا قبل وقت العشاء بقليل، أخرجت من غطاء الرأس في جلابيتي البابوج النادر ووضعته على الطاولة، وقلت على طريقة البائعين المتجولين:

ـ أيها السادة، ما كنت لأتخلى عن هذا الكنز أبدا لولا أن فقر أفراد قبيلتي أرغمني على ذلك عشية العيد. قررت والألم يحز في نفسي أن أبيع لمن يدفع السعر الأعلى هدية ثمينة تكرمت علي بها لالة أم سيدي، وهي عبارة عن بابوج مطرز بخيوط ذهبية، ونقشت عليه الحروف الأولى من اسمها الكريم.

 

حين أعلنت البدء بالمزاد امتلأت القاعة بحماسة باردة قليلا فالسعر الذي طرحته كان مرتفعا جدا، لدرجة أن الملك الذي جلس يتابعنا من بعيد، شعر بأن في الأمر خداعا، فعاد حالا إلى قراءة كتابه. أعدت تذكير أفراد الحاشية بشعار مولاي، وأعدت صياغته بكلمات تتلاءم والمناسبة: (إذا كانت الجنة تحت أقدام الأمهات، فهذا يعني أنه تحت أحذيتهن، هذا البابوج الجميل بخيوطه المطرزة هو أولى صور الجنة). ابتسم الملك غير أنه لم يحرك ساكنا.

حين بدأ المزاد، غادر القزم بودا القاعة، فيما راح الموسيقي ساهر والدكتور مورا يزايدان بحماسة. انضم أحد القادة العسكريين إلى ما يجري، فأثار اهتمام بعض الضيوف الذين شاركوا بدورهم. اكتشفت أنني أمتلك موهبة البائعين في المزادات العلنية، فرحت أفضل بخل هذا، وأثني على ثروة ذاك، وأثير بفضل ما أجده من العبارات الرغبة بالتملك والفوز لدى الرجال الذين أخذوا بالمزايدة على نحو غير عقلاني. فجأة ترك المفتي الكبير سجادة الصلاة، ليشارك بجنون فعرض خمسين ألف درهم. أثار ذلك المبلغ الخيالي ذهول الجميع. لحسن الحظ أن قهقهة سيدي قطعت هذا الارتباك، حين أعلن بحركة من يده قراره بدفع ثمن البابوج. لم نعلم ما الذي دها المفتي الهادئ الطباع عادة، فغمرته النشوة حين رمى بذلك السعر المطروح. حين استرجع الملك البابوج، التفت إلي وقال:

ـ أعرف حيلك يا محمد، إياك أن تظن نفسك خدعتني. هذه هدية مني إلى قبيلتك التي يغطي القمل رؤوس أفرادها. أنقل لهم تمنياتي في العيد.

انحنيت بتواضع، سعيدا بأن الوردة التي كانت تسقي وردة أخرى عادت علي بثروة كافية لتجعل مني مربي حيوانات.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.