قضية بوعشرين.. هل التماس العفو من الملك جريمة؟

18 يوليو 2019 - 19:01

طرق باب الملك، عندما تهب التيارات القوية وتوصد النوافذ والأبواب والمسالك بقوة، ليس عيبا وليس جريمة، وليس التفافا على مسلك قضائي لا ينبغي اللجوء إلى الملك إلا بعد المرور عبره واستنفاده.

اللجوء إلى الملك، قبل وخلال وبعد مراحل التقاضي، حق لكل مغربية ومغربي أحس بأنه لم ينصف أو –حتى- اختار أن يبث الملك أحزانه وشكاواه، لأن الملك هو القاضي الأول والأب الأول. فلماذا يصادر البعض لجوء شخصيات محترمة إلى ملك البلاد ملتمسين عفوه عن زميلنا توفيق بوعشرين، أو ضمان محاكمته، حسب القوانين، في حالة سراح؟

لماذا تصر هذه الجهات على ألا يلجأ توفيق بوعشرين أو شخصيات وطنية إلى الملك، إلا بعد أن يعترف بما يسمونه «الرضائية»؟ نحن نفهم أن مغالاة مهندس هذا الملف في إلباس زميلنا تهما ثقيلة، من قبيل الاغتصاب والاتجار بالبشر، لم يصدقها أحد، لذلك جرى التفكير، الآن، في اللجوء إلى أخف الضررين، والقول إن العلاقات الموصوفة سابقا بالعنف والإكراه تبين أنها كانت رضائية.

نحن لسنا بصدد معركة لي الأذرع مع أي جهة، وما يهمنا، هدفا أسمى، هو استمرار روح الإنصاف والمصالحة وسيادة حقوق الإنسان، ومنها عودة زميلنا توفيق بوعشرين إلى أسرته وجريدته التي هي، باعتراف الخصوم قبل الأصدقاء، من آخر المنابر الصحافية المهنية التي لم يحدث أن ضبطت تتآمر على الوطن أو تكيد له، بقدر ما تسعى إلى تسليط الضوء على الاختلالات لتصويبها والانحرافات لتقييمها. أليس هذا هو دور الصحافة؟

لكن، من يخيرون توفيق بوعشرين بين الرضائية أو الجحيم، وهم يتظاهرون بالدفاع عن حقوق النساء، يتناسون أن أغلب النساء رفضن الانخراط في عملية إدانته؛ بعضهن وقفن أمام المحكمة وقلن: «هذا الرجل لم يعتد علينا ولم نر منه إلا الخير»، وبعضهن الآخر نأين بأنفسهن عن الحضور إلى المحكمة باللجوء خارج المغرب، ليس تجنبا للفضيحة، كما قالت الجهات إياها، بل إن أغلبهن قلن، إما لأفراد من عائلاتهن وأصدقائهن أو لمحاميي بوعشرين، وهن يحزمن حقائبهن: «الظلم ظلمات يوم القيامة، ونحن لا نقوى على مواجهة الجهة التي تحرك هذا الملف، ولا نضمن الإفلات من العقاب الإلهي الذي يلحق شاهد الزور. وقد اخترنا الحل الأوسط والأصعب، وهو الفرار بجلودنا خارج المغرب، والالتزام بالصمت إلى أن تمر العاصفة».

فهل يحترم هؤلاء الذين يطالبون توفيق بوعشرين بالاعتراف بالرضائية، قبل طلب العفو، رأي النساء اللواتي قلن: «بوعشرين لم يغتصبنا ولم يتاجر بنا، وعلاقتنا به كانت دائما طيبة»؟ وللتذكير، فهؤلاء هن الأغلبية، وحتى بعض من بقين على ما جرى تلقينهن إياه، تفضحهن تدويناتهن التي أعقبت اعتقال بوعشرين، والتي كن قد أعلن فيها تضامنهن معه، قبل أن تدور عليهن الدوائر وتغيرهن.

إن هذه الجهات التي فشلت (حتى في الفيديوهات المعروضة) في إثبات وجود اعتداء على النساء، تريد من توفيق بوعشرين أن يعتدي على النساء بالاعتراف بوجود علاقة له بهن نفينها، سواء أمام المحكمة، أو بغيابهن عنها. فهل من العدل وهل من المروءة وهل من احترام حقوق النساء أن نقول لامرأة تقول: «علاقتي بهذا الرجل شريفة»: «لا، رغم أنفك كانت لك علاقة حميمة ببوعشرين؟».

مسألة أخرى؛ أليس اللجوء إلى الملك في قضية الصحافي توفيق بوعشرين، هو، في مستوى من مستوياته، التماس لحل الورطة التي توجد فيها هذه القضية، بعد صدور الرأي الأممي الذي اعتبر بوعشرين معتقلا تعسفا، وطالب بإخلاء سبيله فورا، وتعويضه، ومساءلة المسؤولين عن اعتقاله؟

لكن اللجوء إلى الملك، هو، في الأول والأخير، لجوء مواطنين إلى ملك البلاد الذي يرى الأمور من «فوق»، ومن مسافة من كل الفرقاء الذين يبقون أبناءه ومواطنيه.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي