بعد مرور سنتين على وفاته يوم 4 يوينو 2017، تعيد «أخبار اليوم» خلال هذا الصيف نشر، في حلقات، مجموعة من المقالات التي سبق ونشرها الكاتب الإسباني العالمي خوان غويتيسولو (ازداد سنة 1931) ، في صحيفة «إلباييس» منذ سنة 2000 حول المغرب، بشكل خاص، والمغرب الكبير والعالم العالم، عامة.
الثورة التونسية هي أول ثورة ديمقراطية في تاريخ الدول العربية منذ حصولها على الاستقلال. أما الثورات التي اندلعت في السابق، فقد جاءت على ظهر الانقلابات العسكرية؛ أحيانا كانت تحظى بدعم شعبي واسع، كما حدث مع ثورة جمال عبد الناصر في مصر، وفي الغالب الأعم دون الدعم الشعبي، كما حصل في العراق سنة 1958 وليبيا سنة 1969. فحتى التطلعات الديمقراطية لزعماء الاستقلال في الجزائر، سرعان ما استسلمت، كما نعرف، لديكتاتورية الحزب الواحد الذي يدعمه الجيش. في عقد الستينيات، أقامت الحكومات القومية العربية قواعد الحكم السلطوي الذي يهدف إلى الخلود في السلطة في قلب سلالات جمهورية حاكمة جديدة، وخير دليل على ذلك أنظمة صدام حسين في العراق، وحافظ الأسد في سوريا، وحسني مبارك في مصر.
في ما يخص المغرب، أظهرت المحاولات الانقلابية، التي جرت فيه، أن البديل عن الملكية العلوية كان سيكون ديكتاتورية عسكرية، كما قد يكون نظاما إسلاميا، أي أنه، في كل الأحوال، الدواء أسوأ من الداء. غياب التربية المدنية لدى الشعوب العربية، التي تعتبر الديمقراطية كلمة جوفاء مستوردة من أوروبا، يفسر الانحرافات الاستبدادية للأنظمة العربية، وفشل الثورات الشعبية، مثل تلك التي شهدتها الدار البيضاء في عامي 1965 و1980. أدى اندحار القومية وانتعاش الإسلام السياسي، أيضا، إلى الحرب الأهلية الدامية التي هزت الجزائر في التسعينات.
لا يمكنك أن تطلب ما تجهله. فالديمقراطية تفرض معرفة مسبقة بالقيم العلمانية التي تغذيها. وهذه المعرفة لا أثر لها في أي بلد عربي بذلك التجذر والعمق الكائنين في تونس. استطاعت حكومة الحبيب بورقيبة، منذ الاستقلال إلى ثمانينات القرن المنصرم، تثبيت قواعد دولة علمانية وديمقراطية. وحده نظام تربوي وتعليمي منفتح على مبادئ وقيم العالم الحديث، ووضع اعتباري عال مقارنة بدول الجوار، ومستوى عيش مقبول مقارنة بالجوار، رغم غياب نعمة البترول، يجعل المواطنين واعين بحقوقهم. وهذا هو مربط الفرس الذي يفسر البون الشاسع بين تونس وباقي الدول العربية في الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط.
انهيار حكم بورقيبة، وضربة زين العابدين بنعلي في القصر، المراد منها افتراضيا الحفاظ على الديمقراطية، تحولا إلى كابوس. تحت ذريعة التعايش مع التهديد الإسلامي، وكسب الدعم غير المشروط للدول الأوروبية، أقام زين العابدين بنعلي، رويدا رويدا، دولة بوليسية انتشرت شبكاتها في المجتمع بأسره مثل انتشار خيوط العنكبوت. إذ سُحقت المعارضة السياسية بلا رحمة ولا شفقة، بطرق تذكرنا بأسوأ أساليب الاستبداد. في زيارتي الأخيرة لتونس، قبل 11 حولا، أتيحت لي الفرصة لأعايش وأقف عن كثب على المضايقات التي كان يتعرض لها الديمقراطيون، ممن لم يكونوا في السجن ولا في المنفى، وعلى المراقبة البوليسية لكل من يتواصل معهم.