الفقيه بينبين: عندما تهت في حريم القصر

25/07/2019 - 18:20
الفقيه بينبين: عندما تهت في حريم القصر

سيتذكر ساهر طويلا تلك الليلة الشتوية في قصر جبلي نادرا ما نذهب إليه. اختارنا سيدي من بين معظم أفرادالحاشية للبقاء معه حتى ينام. وفيما كان الموسيقي يتلاعب بأوتار عوده برقة بدأت بسرد حكاية طريفة سمعتها فياليوم السابقأجهل لم اخترت تلك الحكاية لا غيرها. كانت تحكي قصة ملك أندلسي استدعى في أحد الأيام كلنساء حريمه، وعددهن خمسون، من مختلف الأعمار، جمعهن في حديقة النساء، وهناك نهض وقال لهم بنبرة الجد: (جمعتكن اليوم لأعلن لكن خبرا سيئا. ولا شك في أنكن ستكرهنني. لكن لم يعد بوسعي أن أخفي مشاعري أكثر. أنامولع بحريم آخر). أجهل ما الذي أضحك الملك: أهي حكايتي أم الساهر الذي راح يتقلب أرضا ككلب صغير. ثمتذكر أنه في حضرة الملك، فعاجل بالنهوض وعاد للعزف على أوتار عوده. أتبعت تلك الحكاية بقصائد علقت عليهابذكاء، متحدثا عن حياة مؤلفيها، وأزمنتهم، وغرامياتهم، وعذاباتهم، واسترسلت في استطرادات وجد سيدي صعوبةفي متابعتها بعد يوم العمل المرهق. وبرغم محاولاته، انتهى به المطاف إلى الاستسلام للنوم. مع سماع غطيط الملك،أشرت إلى الساهر بأن يخفض صوت عزفه. بعد ذلك غادرنا جناح الملك الواقع في الطابق الأخير من مبنى عند سفحجبل مكلل بالثلج. دخلنا المصعد للذهاب إلى حيث ينتظرنا رفاقنا في أحد صالونات الطابق الأرضي متحلقين حولموقد كبير يتسع لعدة دجاجات وخروف متوسط الحجم، أي لإعداد وجبة مشاوي وفق الأصول. لا شك في أن ساهرأخطأ في الزر الذي ضغط عليه، لأن باب المصعد فتح على طابق مجهول. خرجنا غير منتبهين إلى أننا وصلنا إلىمقر خليلات الملك. سمعنا من الغرف القريبة أصواتا حادة وضحكات جمدت الدماء في عروقنا. حين أردنا أن نعودأدراجنا، اكتشفنا بكثير من الخوف أن لا وجود لأي زر يمكننا الضغط عليه لإنقاذنا من الورطة التي أقحمنا نفسينافيها. نظر كل منا إلى الآخر، تائها، مرتبكا. أي حجة نملكها إذا شاء سوء الحظ أن يعلم الملك بدخولنا على نسائه؟(جعلناك تنام كطفل يا مولاي، ثم نزلنا إلى حيث حريمك). هكذا سينظر إلى عملنا الطائش وغير المسؤول. جلسساهر القرفصاء واضعا عوده بين ركبتيه. كنت مشوش الذهن ولم أدر ما أفعل، فحذوت حذوه. وفجأة خرجت أبياتقصيدة (المنفرجة) من فمي كالصلاة.

الحريم هن أحد المحرمات في القصر الملكي. لم ننس قط تلك القصة الرهيبة التي حدثت خلال الانقلاب، حين نجحتمجموعة من الجنود في دخول مقر النساء اللواتي أصابهن الهلع، وكن ينتظرن أن تجهز عليهن رشقات الرصاص. اقترب أحد المتمردين، وهو رجل من الرعاع عيناه محتقنتان بالدم، من إحدى خليلات الملك، وكان الرعب قد شلحركتها. ثم رفع قفطانها، وسدد ماسورة بندقيته إلى عضوها الجنسي، ثم راح يحركها إلى الأمام والى الوراء،وسـألها: (أهنا يضع سيدك عضوه أيتها الخنزيرة السمينة؟) شعر جندي آخر بالإهانة لسماعه هذا الكلام، فدفعرفيقه الفظ بعنف وصاح به: (نحن لا نهاجم النساء أيها الحقير، ألا تعرف معنى الشرف؟ اخرج وإلا فحسابك معي).

هذا الجرح لم يندمل في ذاكرة سيدي قط. وكان يذكره باستمرار بمرارة من يشعر بحاجة إلى الثأر، وبقهر رجل جبارأساءت إليه حشرة. كان مستعدا ليتخلى عن مملكته كلها لقاء العثور على الحقير الذي أذله بتلك الطريقة، ومعاقبتهبالطريقة التي يجيدها.

قادت التحقيقات المتعددة التي أجريت في سجن الجنوب الرهيب، حيث يقبع ابني معتقلا. وتم التعرف إلى الرجلالذي أنقذ النساء، وجيء به أمام الملك. كنت في الغرفة تلك الليلة حين ظهر عملاق معصوب العينين محاطا بأربعةحراس. لا شك في أن الرجل تعرف إلى صوت الملك الذي قدم إليه عرضا بسيطا، وواضحا، وصادقا: أعطني اسمالرجل الذي أهان امرأتي، وستكون حرا اعتبارا من هذا المساء).

تذرع العسكري بالنسيان، ورفض أن يشي برفيق سلاحه، فكلفه ذلك حياته. كنت أجد صعوبة في فهم روح الانتماءإلى الجيش التي تجعل الجندي لا يتردد لحظة في التضحية بحياته لإنقاذ حياة رفيقه. إن هذا النوع من التضامنغير موجود في العالم الذي أعيش فيه، حيث المرء مستعد للتضحية بقبيلته كلها لينجو بنفسه.

ذلك الجرح القديم لدى سيدي كان وحده مبررا كافيا لحبل المشنقة الذي استحققته وساهر بدخولنا إلى طابق النساء. فيما كنت أتلو قصيدة المنفرجة، لم ألحظ أن الخوف يرفع صوتي أكثر فأكثر. وآنذاك فتح باب ظهرت منه امرأة متقدمةفي السن كنت ألتقيها أحيانا في جناح سيدي. جحظت عيناها حين رأتنا جالسين القرفصاء بقرب المصعد. فقالتلي:

ـ ماذا تفعل هنا يا محمد؟

ـ أنقذيني يا بنيتي، لقد ضغطنا على الزر الخطأ. ولم نعد نعرف كيف نخرج.

وضعت سبابتها على فمها وأومأت إلينا بأن نتبعها. سرنا في ممر ينتهي بدرج للخدم لولبي نزلنا عليه كاللصوص. وفي الأسفل همست لحارس المدخل بكلمة واحدة، وتوارينا عن الأنظار كأن شيئا لم يحدث قط.

شارك المقال