تميزت الخريطة السياسية والحزبية خلال 20 سنة الماضية بتحولات عديدة، شملت النخب والمؤسسات والممارسات، وتجسدت في تراجع وتآكل قوة أحزاب الحركة الوطنية، وصعود الإسلاميين، خصوصا حزب العدالة والتنمية، وإنشاء حزب الأصالة والمعاصرة الذي عزّز من فرص الأحزاب التي كانت توصف في عهد الحسن الثاني بـ”الإدارية”.
وبالمقابل، استمرت السلطة في استخدام “الآليات الموازية” للضبط والتحكم في فلتات المشهد الحزبي والسياسي، وتتمثل تلك الآليات في مكون “التكنوقراط”، المبثوث على رأس المؤسسات والمقاولات العمومية، وداخل الأحزاب السياسية، علاوة على وزارة الداخلية المنوط بها الضبط السياسي والأمني والإداري، ثم وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المنوط بها الضبط الإداري للحقل الديني.
وبين نزوع الحقل السياسي إلى توسيع مجال الحرية والاستقلالية، في مقابل نزوع السلطة إلى توسيع مجال الضبط الإداري والأمني، برزت في السياق فضاءات خارج ما هو رسمي، منها الفضاء الافتراضي، وأساسا “الفايسبوك”، الذي أضحى أحد الفضاءات الأكثر جذبا للنقاش العمومي، وتحديد القضايا ذات الأولوية بالنسبة للمجتمع، كما أضحى إحدى فضاءات الاحتجاج، التي أسهمت في ميلاد جيل جديد من الاحتجاجات في السنوات الأخيرة، شكلت عامل ضغط أساسي على صانع القرار.
فكيف تشكلت هذه التحولات طيلة 20 سنة من حكم الملك محمد السادس؟ وما أبرز المحطات التي أسهمت في ذلك؟ وما السيناريوهات المتوقعة لتطورات هذا المشهد؟
أقوى التحولات
لما وصل الملك محمد السادس إلى الحكم سنة 1999، وجد بين يديه خريطة سياسية من هندسة والده ورجالاته، تتمثل في « حكومة التناوب » التي كان يقودها الاتحاد الاشتراكي، رفقة بعض أحزاب الحركة الوطنية (حزب الاستقلال، التقدم والاشتراكية، وأحزاب يسارية صغيرة أخرى،…)، إلى جانب الأحزاب التي كانت توصف بالإدارية (الحركة الشعبية، الاتحاد الدستوري، التجمع الوطني الأحرار…)، وخارج هذا المشهد الحزبي الرسمي، كان الملك الراحل الحسن الثاني قد فسح المجال، في السنوات الأخيرة من حياته، أمام الحركة الإسلامية للولوج إلى الحقل الحزبي من خلال حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية الذي غيّر اسمه إلى العدالة والتنمية سنة 1998، كما فسح الطريق أمام اليسار السبعيني، الذي كان مبثوثا وسط الحركة الحقوقية والنسائية، للولوج إلى المؤسسات الرسمية (المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان،…). وهكذا كانت الحياة السياسية موزعة عمليا بين ثلاث كتل سياسية ومدنية يمكن التمييز فيما بينها كالتالي: أحزاب الحكومة (أغلبية ومعارضة)، أهمها الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية، ولها أذرع مدنية وحقوقية ونسائية؛ ثم مكون الحركات الاجتماعية المدنية (اليسار السبعيني، النساء، الأمازيغ…)، ثم المكون الإسلامي من داخل مؤسسات النظام ومن خارجه (حزب العدالة والتنمية، التوحيد والإصلاح، العدل والإحسان…). ويمكن المجازفة بالقول إن التفاعلات بين هذه المكونات الثلاثة كانت محور الحياة السياسية والحزبية، بل إن كل مكون فيها كان محور حدث سياسي بارز أو أكثر خلال العقدين الماضيين.
فالمكون الأول، أي أحزاب الحركة الوطنية، وخصوصا الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال، كانت محور الحياة الحزبية والسياسية طيلة العقد الأول من حكم الملك محمد السادس، سواء من موقع قيادة الحكومة أو المشاركة فيها (الاتحاد الاشتراكي من 1998 إلى 2002)، وحزب الاستقلال (2007-2011). وبالنسبة لهذا المكون فإن تأريخ المرحلة السياسية الراهنة يبدأ من سنة 1998، أي السنة التي تشكلت فيها حكومة التناوب، التي كانت عنوان التوافق السياسي بين الملك الراحل الحسن الثاني وقادة أحزاب الحركة الوطنية، وهو التوافق الذي تمت تزكيته في أول خطاب للملك محمد السادس بعد توليه العرش سنة 1999، واستمر بعد ذلك، رغم الضغط الذي شكّلته الآليات الموازية، وأدى سنة 2002، على سبيل المثال، إلى « الخروج عن المنهجية الديمقراطية »، من خلال تعيين تكنوقراطي وزيرا أولا للحكومة (إدريس جطو) بدل الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي (عبد الرحمن اليوسفي) المتصدر للانتخابات التشريعية لسنة 2002.
وبحسب خالد يايموت، أستاذ العلوم السياسية، فإن النظام يشتغل عادة بالأحزاب السياسية القائمة، سواء في الأغلبية أو المعارضة، لكن من أجل « ضبط الحقل الحزبي، يلجأ باستمرار إلى آليات موازية للتحكم في إيقاع الحياة السياسية والحزبية، لتظل في طوع النظام وفي حدود السقف السياسي المحدد سلفا لها، ومن تلك الآليات التكنوقراط، المبثوث داخل الأحزاب وفي المؤسسات السياسية ».
بالتوازي مع هذا المسار الحزبي، كان هناك مسار للحركة الاجتماعية، خصوصا الحركة الحقوقية، والتي تؤرخ من جهتها للمرحلة السياسية الراهنة بسنة 2004، أي تاريخ تشكيل هيئة الإنصاف والمصالحة التي ترأسها أحد رموز اليسار السبعيني، الراحل إدريس بنزكري، والتي سعت(الهيئة) إلى طي صفحة سنوات الرصاص التي ميّزت بعض سنوات حكم الملك الراحل الحسن الثاني، وتعويض الضحايا، كما سعت إلى وضع الأسس المؤسسية والقانونية لضمان عدم تكرار انتهاكات الماضي.
وإذا كان المسار الحزبي قد تم التشويش عليه باستخدام التكنوقراط إثر انتخابات 2002، فإن المسار الحقوقي، قد تم التشويش عليه باستعمال ورقة الإرهاب، الذي ضرب المغرب في أحداث متكررة، أبرزها أحداث 16 ماي 2003 الإرهابية، التي هزت مدينة الدار البيضاء، واستدعت سياسة أمنية جديدة كانت لها تداعيات على المجال الحزبي والسياسي، وعلى المجال الديني كذلك.
ويمكن القول إن التفاعلات السياسية التي مهّدت للانتخابات التشريعية لسنة 2007، أو التفاعلات التي حصلت في إثرها (ترشح فؤاد عالي الهمة، ضعف نسبة المشاركة…)، جاءت نتيجة للمسار التراجعي الذي طبع مسيرة مكون أحزاب الحركة الوطنية، بعدما تعرض عمودها الفقري الاتحاد الاشتراكي للانقسامات والوهن السياسي، كما أنها أثّرت سلبا على المسار الحقوقي بعد انتهاء عمل هيئة الإنصاف والمصالحة، في الوقت الذي تصاعد فيه المد الإسلامي، ممثلا في حزب العدالة والتنمية، وهو ما دفع السلطة إلى التفكير في خلق أداة حزبية مضادة لإحداث التوازن، تمثلت في حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تشكلت نواته الأولى داخل حركة لكل الديمقراطيين مطلع 2008، وتحولت إلى حزب سياسي في صيف 2008.
قضايا في واجهة النقاش
خلال العقد الأول من حكم الملك محمد السادس، انعكست مرجعيات الفاعلين ورهاناتهم على أجندة النقاش العمومي، وعلى القضايا التي أصبحت محور الصراع السياسي خلال تلك الفترة (1999-2007)، أبرزها الصراع حول السلطة بين رجالات العهد الجديد (أصدقاء الملك محمد السادس) ورموز العهد القديم (عهد والده)، انتصر فيها الجديد على القديم، بحيث أفل وانتهى مثلا نجم إدريس البصري مقابل صعود فؤاد عالي الهمة في وزارة الداخلية، وتواري الجنرال عبد الحق القادري لصالح ياسين المنصوري في الاستخبارات العسكرية، والاستعانة بالعسكر في إدارة الأمن الوطني (الجنرال حميدو العنيكري)، وهو الصراع الذي كان قائما في نفس الوقت بين هؤلاء ممن وصفوا حينها بالحكام الجدد، وبين حكومة عبد الرحمان اليوسفي، كما دلّت على ذلك وقائع عديدة، من أبرزها حدث استقالة الوزير الراحل العربي المساري بسبب تعيين فيصل العرايشي على رأس القطب الإعلامي العمومي بدون استشارته أو موافقته، ومنها كذلك واقعة الإعلان عن تأسيس المراكز الجهوية للاستثمار بدون استشارة وإشراك الوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي. وهو الصراع الذي انتهى بإبعاد الاتحاد الاشتراكي من رئاسة الحكومة بعد انتخابات 2002، رغم أنه تصدر نتائجها، ما جعل اليوسفي يعتزل السياسة منذ ذلك الحين.
وفي « محاضرة بوركسيل » لسنة 2003 لخّص اليوسفي عصارة تجربته على رأس الحكومة بين 1998 و2002 بالقول: »إن تجربة السنوات الخمس المنصرمة أفهمتهم (الناخبين) أن الحكومة لا تتوفر على السلطة الكافية من أجل القيام بمسؤولياتها وأنها كانت مقيدة بتقاليد عتيقة ». معلنا بمرارة أن قبول الاتحاد الاشتراكي « بقيادة تجربة التناوب مخاطرة أخدنا فيها في الحسبان المصلحة الوطنية وليس المصلحة الحزبية، واليوم وقد انتهت هذه التجربة بدون أن تفضي إلى ما كنا ننتظره منها، بمعنى التوجه نحو الديمقراطية عبر خطوات تاريخية إلى الأمام، التي ستشكل قطيعة مع ممارسات الماضي، فإننا نجد أنفسنا مرة أخرى أمام متطلب وطني يلزمنا بالانتظار ».
وإلى جانب الصراع حول السلطة، كانت هناك قضايا أخرى محور الصراع السياسي ذات طبيعة إيديولوجية؛ مثل قضايا المرأة، الدين، الأمازيغية، التعليم، الإرهاب، الصحراء، الفقر…الخ، ورغم تعدد مرجعيات الفاعلين في التعاطي مع تلك القضايا، إلا أن النقاش بات محكومات حينها بثنائيات شهيرة مثل الإسلاميين/العلمانيين، المتطرفين/المعتدلين، وهي انقسامات سمحت للسلطة بامتلاك زمام المبادرة في طرح أجوبة لكل تلك القضايا، من قبيل مدونة الأسرة، والمعهد الملكي للأمازيغية، وإصلاح الحقل الديني، والميثاق الوطني للتربية والتكوين، وإحداث هيئة الإنصاف والمصالحة، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ومبادرة الحكم الذاتي للصحراء، كما تم السعي إلى إعادة هيكلة الحقل الأمني في سياق الحرب على الإرهاب. وفي سياق إطلاق تلك المبادرات، حرصت خطب الملك محمد السادس على إضفاء معنى عليها من خلال عناوين/شعارات مؤطرة، فتحدث تارة عن “المشروع الديمقراطي الحداثي”، وتارة عن “مغرب ديمقراطي موحد”، وتارة أخرى “المشروع الوطني التقدمي”، أو “مغرب الوحدة والديمقراطية والتقدم”، وفي مرحلة لاحقة، شرع في الدعوة المباشرة إلى تجديد النخب السياسية والحزبية، لتكون في مستوى تلك المبادرات والمشاريع التي أطلقت.
انتخابات 2007.. نقطة تحول
رغم تعدد المبادرات والمشاريع المهيكلة، فإن نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2007 أظهرت أن تفاعل المواطنين معها كان محدودا، وهو ما دلّت عليه نسبة المشاركة التي لم تتجاوز 37 في المائة، رغم الجهود التعبوية التي بذلت من أجل حثّ المواطنين على المشاركة في تلك الانتخابات، منها دعوة مباشرة وردت في خطاب ملكي يحث على المشاركة، ومنها تأسيس « جمعية 2007 دبا » من قبل رجل الأعمال نور الدين عيوش التي تولت التعبئة دون جدوى. ويبدو أن تلك النتائج قد دفعت السلطة إلى إعادة تقييم لأدائها السياسي، ولميزان القوى القائم والمتوقع، خلصت على إثره إلى أن أحزاب الحركة الوطنية لم تعد قادرة على منافسة حزب العدالة والتنمية، ورغم أن هذه الخلاصة لم يكن يتقاسمها الجميع، إلا أن صديق الملك فؤاد عالي الهمة، فاجأ الجميع ليس بإعلان ترشحه لانتخابات 2007 في آخر لحظة، بل بإعلانه عن مشروع سياسي جوهره تعبئة « الديمقراطيين » لمواجهة حزب العدالة والتنمية، فبادر إلى تأسيس « حركة لكل الديمقراطيين » في يناير 2008، التي خرج منها حزب الأصالة والمعاصرة في صيف 2008، كما سبقت الإشارة، الذي تأسس على أنقاض ثلاثة أحزاب صغيرة، ومن لفيف متنوع يضم نخب يسارية وحقوقية، وأعيان الانتخابات، ونخب إدارية وتقنية، التحقت بالحزب خلال التأسيس أو بعده.
ومنذ أن أعلن مؤسس الحزب، فؤاد عالي الهمة، قراره بالتصدي لحزب العدالة والتنمية، بات الصراع بين الطرفين محور الحياة الحزبية والسياسية طيلة عقد من الزمن، وبالضبط منذ سنة 2008 حتى آخر انتخابات تشريعية سنة 2016، علما أن « البيجيدي » قد برز كفاعل مؤثر في الحياة السياسية والحزبية منذ وصول الملك محمد السادس إلى الحكم، بحيث انتقل من قوة انتخابية هامشية سنة 1999 (14 مقعدا نيابيا) إلى 42 مقعدا برلمانيا سنة 2002 إلى 46 مقعدا برلمانيا سنة 2007، إلى 107 برلماني سنة 2011، ثم 125 مقعدا برلمانيا في آخر انتخابات تشريعية سنة 2016، ويمكن القول إنه بات منذ سنة 2011 القوة الحزبية والسياسية الأولى في المملكة.
2011 مرحلة فارقة
تشكل سنة 2011 لحظة فاصلة في الحياة السياسية المغربية، حيث أوقفت احتجاجات الربيع العربي التي اندلعت في دول عربية عديدة، وامتدت إلى المغرب من خلال حركة 20 فبراير، الترتيبات السياسية التي وضعت عقب انتخابات 2007، وكانت ترمي إلى تحجيم قوة « البيجيدي » الانتخابية، بواسطة حزب موالي للسلطة هو حزب الأصالة والمعاصرة(البام) كما سبقت الإشارة. وقد عكست الانتخابات الجماعية لسنة 2009 هذا المنحى، حيث هيمن حزب « البام » على رئاسة أغلب الجماعات القروية والحضرية، متبوعا بحزب الاستقلال، بينما تمت محاصرة حزب العدالة والتنمية في العديد من المدن التي فاز فيها، من خلال تشكيل تحالفات حزبية استهدفت عزله.
وخلال تلك الفترة، أعد المعهد الوطني الديمقراطي (الأمريكي) نتائج بحث ميداني نشره سنة 2011، حول تصور وعلاقة الشباب المغاربة بالأحزاب السياسية، خلص إلى أن « الكثير من المغاربة الشباب يشعر أن الأحزاب السياسية بعيدة كل البعد عنهم وليس لها مصلحة حقيقية في تمثيل المغاربة »، حيث أن المستطلعة آراؤهم اشتكوا خلال النقاش أن « الأحزاب السياسية تختفي مباشرة بعد الانتخابات، ولا تفي بالوعود التي قطعتها على نفسها للمواطنين ». وتحدث البحث حينها عن « أزمة ثقة » بين الشباب والأحزاب.
ويمكن القول أن حركة 20 فبراير كانت في جانب منها نتيجة لـ »أزمة الثقة » تلك بين المواطن والمؤسسات، ما جعلها أقوى حدث سياسي، أعاد، لفترة، هيلكة المشهد الحزبي والسياسي في العمق. وبحسب عباس بوغالم، أستاذ العلوم السياسية بجامعة وجدة، فإن حركة 20 فبراير 2011 « كانت السبب في وضع دستور جديد، وفي وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكومة »، وأضاف « صحيح أنها لم تؤد إلى قطيعة مع السابق، لكن المغرب حقق، مع حركة 20 فبراير، مكتسبات مهمة إن على مستوى الوثيقة الدستورية، أو على مستوى الحياة السياسية التي كانت تتسم بالرتابة في السابق وأضحت أكثر حيوية ». لقد أعادت تشكيل خريطة سياسية، بحسب بوغالم، « يوجد البيجيدي في القلب منها، وهي خريطة أقرب إلى الواقع، وإن كان الوضع قد تغيّر بعد انتخابات 2016، لقد عدنا إلى القهقرى ».
يلاحظ هنا أن دخول حركة 20 فبراير على خط الصراع السياسي وإن أدى، مؤقتا، إلى تواري حزب الأصالة والمعاصرة إلى الخلف، إلا أنه لم يقص نهائيا كما حدث لأحزاب مماثلة في بلدان أخرى مثل تونس ومصر، صحيح أن مؤسسه فؤاد عالي الهمة قد انسحب من المشهد وعاد إلى القصر الملكي، مستشارا للملك، لكن الحزب استمر في الواقع، وشارك في انتخابات 25 نونبر 2011، وإن تم تحجيم قوته، لكنه سرعان ما عاد إلى خط المواجهة مع « البيجيدي » الذي فاز في تلك الانتخابات وشكل الحكومة برئاسة عبد الإله بنكيران، بعدما تحالف مع أحزاب الاستقلال والتقدم والاشتراكية والحركة الشعبية.
منذ سنة 2012، برز عبد الإله بنكيران كرئيس حكومة مفوه، شغل الناس بشكل غير مسبوق داخل البرلمان وفي المهرجانات الشعبية، لكن خلال تلك السنة أيضا، برزت ثلاثة أسماء أخرى في الوسط الحزبي، يتعلق الأمر بـكل من إلياس العماري في حزب الأصالة والمعاصرة، وإدريس لشكر الذي انتخب كاتبا أولا للاتحاد الاشتراكي، ثم حميد شباط الذي انتخب أمينا عاما لحزب الاستقلال. ويمكن القول إن هذا الرباعي(بنكيران، العماري، لشكر، شباط) هيمن على الساحة السياسية، بخطاباته ومواقفه، ومناوراته كذلك.
ففي سنة 2013 تعرضت حكومة بنكيران لأولى المناورات التي استهدفت إسقاط حكومة بنكيران، وعزل « البيجيدي »، في سياق إقليمي تميّز بإخراج حركة النهضة في تونس من الحكومة، وتنظيم انقلاب عسكري من قبل الجنرال عبد الفتاح السيسي في مصر ضد الرئيس الراحل محمد مرسي، في سياق ما سمي بالثورة المضادة ضد ثورات الربيع العربي. وهو سياق استُغل من قبل أحزاب المعارضة المغربية، وخصوصا الأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي، لإقناع حزب الاستقلال بالخروج من الحكومة بهدف إسقاطها، وهو السيناريو الذي لم يحدث، بعدما وافق حزب التجمع الوطني للأحرار على الانضمام للحكومة، وموافقة الملك محمد السادس على هذا المخرج.
غير أن المواجهة أصبحت داخل الحكومة بين الأحرار و”البيجيدي”، ومن خارجها بين “البيجيدي” وأحزاب المعارضة الجديدة، أي الأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي والاستقلال، وقد تجلى ذلك بوضوح في مجلسي البرلمان، الذي احتضن مواجهات كلامية صاخبة، خصوصا خلال الجلسات الشهرية التي تعقد لمساءلة رئيس الحكومة، والتي تحولت في العديد من المرات إلى حلبة صراع خطابي محتدم، استعملت فيها مفاهيم جديدة، دخلت القاموس السياسي لأول مرة، مثل توصيف الخصوم من قبل رئيس الحكومة بـ”العفاريت” و”التماسيح”، واتهام المعارضة، خصوصا أمين عام حزب الاستقلال حميد شباط، لرئيس الحكومة بأنه يعمل « لصالح داعش والموساد والصهيونية »، في حين لجأت بعض قيادات الاتحاد الاشتراكي إلى استيراد مصطلحات من الساحة المصرية لترويجها في وجه “البيجيدي” من قببيل تهمة ”أخونة الدولة”.
وقد عكست الأجواء التي جرت فيها الانتخابات الجماعية والجهوية لسنة 2015، بعدما تم تأجيلها لأربع سنوات، حدة تلك الصراعات، التي تفاقمت أكثر بعدما أظهرت النتائج سيطرة حزب العدالة والتنمية على جل المدن الكبرى والمتوسطة، التي فاز فيها بالأغلبية المطلقة، مثل الرباط والدار البيضاء ومراكش وطنجة وفاس ومكناس وأكادير وتطوان وسلا والقنيطرة وغيرها.
2016..زلزال انتخابي
وكان من الطبيعي أن تشهد الانتخابات التشريعية التي نظمت عاما بعد ذلك مواجهة سياسية وكلامية غير مسبوقة، ومتعددة الجبهات، ربما لم يشهد المغرب مثلها من قبل، بحيث احتشد الجميع وراء حزب الأصالة والمعاصرة ضد حزب العدالة والتنمية، لذلك كانت نتائج ثقيلة، حتى أنها وصفت
بـ « زلزال سياسي »، وهو ما حدث فعلا داخل بعض الأحزاب، التي غيّرت قياداتها بسرعة غير متوقعة، كما هو الحال بالنسبة لحزب الأحرار، الذي عرف إبعاد رئيسه صلاح الدين مزوار، الذي حلّ محله عزيز أخنوش، الذي كان قد اعتزل الحزب في بلاغ رسمي سنة 2012، وهكذا في الوقت الذي أعاد الملك محمد السادس تعيين عبد الإله بنكيران رئيسا للحكومة للمرة الثانية، تم إبعاد كل اللاعبين التي نافسوه خلال الفترة ما بين 2012 و2016، وأساسا إلياس العماري وحميد شباط وصلاح الدين مزوار، بينم تم الإبقاء على إدريس لشكر في مكانه.
المفاجأة الأكبر التي أعقبت انتخابات 2016، تتمثل في إبعاد بنكيران نفسه، فقد قضى الرجل حوالي 6 أشهر في المفاوضات من أجل تشكيل الحكومة، دون جدوى، وفي 15 مارس 2017 أصدر الملك قرارا بإعفائه، وهو القرار الذي نزل كالصاعقة على حزب العدالة والتنمية، لم يخّفف منه سوى تعيين الرجل الثاني في الحزب رئيسا للحكومة، سعد الدين العثماني، عوض بنكيران، بحيث أبقى الملك على « البيجيدي » في موقع قيادة الحكومة، لكن وفق شروط كان قد رفضها بنكيران، مما عمّق الأزمة داخل الحزب، والتي لم يتعاف منها حتى الآن.
قضايا جديدة للنقاش
إذا كانت القضايا التي هيمنت على النقاش العمومي في العقد الأول من حكم الملك محمد السادس منها ما هو ذو طبيعة اديولوجية، مثل الدين، حقوق الإنسان، المرأة، الأمازيغية، والحريات، التعليم، ومنها ما هو تنموي مثل الأوراش الكبرى، التنمية البشرية، الفقر، البنيات التحتية، جعلت الحقل السياسي منقسم على أساسا ثنائيات سبق الحدث عنها؛ مثل علمانيين/إسلاميين، معتدلين/متطرفين، فإن الفترة اللاحقة على سنة 2011 عرفت بروز ثنائيات جديدة في الحقل السياسي والحزبي، من قبيل الديمقراطية / الاستبداد، الإصلاح / الفساد، الملكية البرلمانية / الملكية التنفيذية، التأويل الديمقراطي للدستور / التأويل السلطوي للدستور…
كما تصدرت قضايا أخرى الخطاب السياسي والحزبي، من قبيل التنزيل الديمقراطي للدستور، تعزيز الحقوق والحريات، التوزيع العادل للثروة، الجهوية المتقدمة، إصلاح التعليم، والعمق الإفريقي للمغرب، وقضايا الشباب، والحكامة الأمنية، والتدبير الديمقراطي للاحتجاجات، وأزمة الثقة في المؤسسات،… الخ.
ويمكن القول أن المرحلة ما بين 2011 و2016 تميزت بنقاش عمومي واسع داخل المؤسسات أساسا، مثل المجلس الحكومي، أو في مجلسي البرلمان، وكذلك في وسائل الإعلام. كما أن الصراع السياسي تميّز بالوضوح النسبي مقارنة مع الفترة السابقة على سنة 2011 أو الفترة اللاحقة على سنة 2016، وبرزت أولويات لامست الشعور العام للمواطنين، خصوصا القضايا التي لها صلة بالقدرة الشرائية، والتقاعد، والفئات الهشة، ومقالع الرمال، والضريبة، والتوزيع العادل للثروة، وعلاقة المال بالسلطة، …الخ.
لكن منذ تشكيل الحكومة الجديدة في أبريل 2017، يبدو أن النقاش خفت، وبدأ يخرج من المؤسسات إلى فضاءات أخرى، من قبيل الشارع، وسائل التواصل الاجتماعي، وهي وضعية تعزى، بحسب عدد من المحللين، إلى تجدد أزمة الثقة في المؤسسات مرة أخرى، كما سبق أن عالج ذلك المعهد المغربي لتحليل السياسات في منتدى الرباط للسياسات في بداية سنة 2019.
وبحسب محمد الشرقاوي، أستاذ النزاعات في جامعة جورج مايسن، فإن الديناميات السياسية اليوم بالمغرب أضحت مؤطرة بـ3 حاءات: الأولى الحكرة، التي تحرك الاحتجاجات في أكثر من منطقة مثل حراك الريف، واحتجاجات جرادة، وزاكورة وغيرها، والثانية الحريك، في إشارة إلى تمسك أغلب الشباب المغربي بفكرة الهجرة والسعي إلى العبور إلى أوروبا حتى في رحلة محفوفة بالمخاطر في قوارب الموت، والثالثة الهاشتاغ، أي استخدام الفايسبوك للتنفيس عن الضجر والتذمر، وهو “مثلث” يؤشر بحسب الشرقاوي، على حالة التذمر الاجتماعي.
في خلاصة، يمكن القول أن حركة 20 فبراير قد أنهت، مؤقتا، الترتيبات السياسية التي وضعت خلال العقد الأول من حكم الملك محمد السادس، واستطاعت أن تخلخل قليلا البنيات الحزبية والسياسية والمؤسساتية، وكشفت أن أولويات السلطة حينها لم تكن هي أولويات الناس الحقيقية. تماما مثلما حدّ حراك الريف من الترتيبات السياسية التي أعقبت الانتخابات التشريعية لسنة 2016، وأظهر مرة أخرى أن إمكانية السيطرة الفجة على كل موارد القوة، وخصوصا السلطة والدين والثروة، قد تكون نتائجه وخيمة في المستقبل.