الذكرى 20 لعيد العرش -الحقلان السياسي والحزبي.. أعطاب وجمود وانسداد

30/07/2019 - 08:02
الذكرى 20 لعيد العرش -الحقلان السياسي والحزبي.. أعطاب وجمود وانسداد

عندما تولى الملك محمد السادس الحكم سنة 1999، ورث حقلا سياسيا سمته ظاهريا التعددية، لكنه باطنيا، حقل مبلقن، بأحزاب هشة وضعيفة، ونخب سياسية مرتبطة برواسب ثقافية لحقبة متجاوزة، باستثناء المكون اليساري، الذي كان يمثله حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بزعامة الوزير الأول آنذاك، عبدالرحمان اليوسفي. لكن، سرعان ما انضم هذا الحزب إلى نادي « الأحزاب الطيعة والضعيفة » بعد انتخابات 2002، وما رافقها من انقسامات وخلافات حادة بين قياداته.

إن وضع الحقلين السياسي والحزبي موضع الملاحظة والتقييم طيلة عشرين سنة من حكم الملك، يستدعي من الناحية المنهجية استحضار أربعة انتخابات تشريعية وانتخابين جماعيين، وتعديل دستوري سنة 2011، وإخراج قانون تنظيمي للأحزاب السياسية، وغيرها من المتغيرات المؤسساتية والقانونية التي مست الحقلين. وفي هذا الصدد، يمكن الإشارة إلى ثلاث ملاحظات أساسية تخص المقومات الجوهرية للحقلين وهي: الفعل الانتخابي، الترسانة القانونية والأحزاب والنخب السياسية:

أولاها، تتعلق بالانتخابات، بحيث جرت أربعة انتخابات تشريعية واستحقاقان جماعيان في عهد الملك محمد السادس خلال العقدين الماضيين، والسمة الأبرز أن التعامل مع هاته الاستحقاقات كان مغايرا لما كان يجري سابقا، حيث تم القطع مع بعض الممارسات السابقة مثل التزوير، ولم يسجل بشهادة المنظمات الداخلية والخارجية التي أشرفت على تتبع ومراقبة العملية الانتخابية، وكذلك، الأحزاب السياسية، أن تم اللجوء إلى تزوير نتائج الانتخابات لصالح طرف معين.

وبقدر ما يجب الإقرار في هذا الصدد، أن هناك جرأة وصرامة كبيرتين أبداهما الملك للقطع مع بعض الممارسات البائدة التي كانت تسيء إلى العملية السياسية في المغرب كالتزوير، بقدر ما يجب الإقرار، كذلك، أنه جرى الاحتفاظ بنفس الأساليب التقليدية والعتيقة التي استعملت لضبط الحقل السياسي وتسييجه، كخلق أحزاب جديدة، والرهان على « جيش من احتياطي الأعيان »، هذا بالإضافة إلى تقسيم ترابي انتخابي محكوم بهواجس انتخابوية صرفة، ولوائح انتخابية يجري تعديها وتنقيحها في كل استحقاق انتخابي عوض تجديدها بشكل كلي، مما يؤكد أن هناك حرصا على إعادة ضبط المشهد السياسي وفق قراءات وسيناريوهات مسبقة.

ورغم توظيف بعض الآليات التقليدية في عملية الضبط والتأطير والتوجيه، إلا أن الحقل السياسي في العقدين الأخيرين، شهد نوعا من « الانفلات »، وصار عنصر المفاجأة والتشويق أحد العناصر المكونة للعملية الانتخابية، حيث بدت أدوات الضبط المستعملة متجاوزة، عندما تصدر الإسلاميون المشهد السياسي خلال ثلاثة استحقاقات انتخابية بعد إقرار دستور 2011.

الملاحظة الثانية، تخص الترسانة القانونية المؤطرة للحقلين الحزبي والسياسي، ومدى علاقة هذه الترسانة بتطوير أو تراجع مسار البناء أو التحول الديمقراطي، من خلال محاولة تجديد الحقل السياسي وعقلنة المشهد الحزبي. خطوات ومبادرات اتخذت في هذا الاتجاه، من قبيل إقرار قانون تنظيمي للأحزاب السياسية، وما يتضمنه من مواد تصب في اتجاه تقييد سلطات وزارة الداخلية في مسألة تأسيس الأحزاب أو منعها، مع إعطاء صلاحيات أوسع لمؤسسة القضاء الإداري، كما تضمن هذا القانون، مجموعة من الشروط الشكلية والإجرائية التي تخص الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب، كضرورة التنصيص عن مدة الانتداب وبعض الهياكل الأساسية، هذا، علاوة على إعطاء صلاحيات واسعة للمجلس الأعلى للحسابات لمراقبة مالية الأحزاب بالشكل يسمح بمراقبة أوجه صرف الأموال العمومية. وبالموازاة مع ذلك، أقر القانونان التنظيميان، اللذان يخصان مجلسي النواب والمستشارين، منع ظاهرة الترحال السياسي.

وفي إطار محاولة عقلنة الممارسة السياسية، وانسجاما مع التوجهات الملكية الرامية إلى إقرار جهوية متقدمة كبداية وأرضية لجهوية موسعة، على غرار بعض التجارب الأخرى كإسبانيا، سوف يتم لأول مرة إقرار ثلاثة قوانين تنظيمية خاصة بمجالس الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات الترابية.

إن إقرار هذه القوانين التنظيمية وما تضمنته من صلاحيات واسعة للمنتخبين، بالإضافة إلى الوثيقة الدستورية التي شكلت بدورها الإطار الدستوري لتلك القوانين، والتي جاءت وفق سياقات خاصة، لاسيما مع بروز حركة 20 فبراير سنة 2011 وخطاب 9 مارس من السنة نفسها، وهذه السياقات، ربما، ترتبط بشكل أكبر بالملاحظة الثالثة.

الملاحظة الثالثة، رغم أهمية الجانبين الانتخابي والقانوني، إلا أنهما لا يقلان أهمية عن الجانب المتعلق بالنخب والأحزاب السياسية، لاسيما وأن عملية ضبط إيقاع الممارسة السياسية كان يمر عبر توجيه وصناعة النخب السياسية، وتسييج الحقل الحزبي. ودون الخوض في تفاصيل الحياة السياسية طيلة العشرين سنة الماضية، فمن المؤكد أن الملك محمد السادس تعايش مع « النخب السياسية الحسنية »، نسبة إلى عهد الراحل الحسن الثاني، ولم تدرك المؤسسة الملكية مخاطر أعطاب الحقل الحزبي وضعف وعدم قدرة النخب السياسية الموجودة على التأطير ولعب دور الوساطة، إلا عندما وجدت نفسها وجها لوجه مع الحراك الفبرايري الذي انطلق في 20 فبراير من سنة 2011، في محيط مضطرب شهدته الرقعة العربية انداك.

« حراك شعبي » دفع بالملك إلى تصدر واجهة الأحداث عبر خطاب 9 مارس والإعلان عن تشكيل لجنة لتعديل الدستور، والقيام بخطوات موازية لاستنفار وتعبئة كافة الموارد المادية والبشرية لتجنيب المملكة مطبّات لم تكن مهيأة لها، غير أن خروج ما يقارب 50 مظاهرة في كل أسبوع، وتلاشي أو اختفاء المكون الحزبي في تلك الفترة، فلم يجد الملك على يمينه سوى المؤسسة الأمنية التي كانت في قلب الحدث وساهمت في تدبير الحراك عبر مختلف المستويات، من ضبط سقف وتسييج مجالات تحرك الفاعلين.

ليتكفل إسلاميو العدالة والتنمية بعد إجراء أول انتخابات تشريعية في ظل دستور 2011، بالقيام بأدوار سياسية على ما يبدو لم تكن مسطرة ومطلوبة منهم، لاسيما أنهم تصدروا المشهد السياسي، رغم عدم مشاركتهم في 20 فبراير.

ومن خلال استقراء الحقلين السياسي والحزبي، يلاحظ أن هناك أخطاء وقعت في سياقات معينة، أخطاء ترتبط، أساسا، بترتيب النتائج، ويمكن هنا الحديث عن محطتين أساسيتين مفصليتين في تاريخ المغرب المعاصر، الأولى، تتعلق بطريقة التعامل مع نتائج انتخابات 2002، والمتمثلة في غلق قوس تجربة حكومة التناوب، أي حكومة اليوسفي بطريقة لم تكن مدروسة، بطريقة تقترب إلى المزاجية والعشوائية. لذا، فارتدادات ونتائج تلك المرحلة حاضرة اليوم، في تفاصيل المشهد السياسي بطريقة مباشرة وغير مباشرة، خاصة فيما يتعلق ببداية تفكك أحد أهم الأقطاب اليسارية وفراغ المشهد السياسي. المحطة الثانية، ترتبط بطريقة تدبير أو ترتيب نتائج حراك 20 فبراير، خاصة بعد انتخابات 2011، حيث انتقل صراع الدولة مع الإسلاميين من مواقع أو مستويات إلى أخرى، انتقل من خارج دوائر الحكم، (كانت تيارات الإسلام السياسي في موقع المعارضة)، إلى مربع السلطة (ترؤسهم للحكومة). هذا الوضع، أفضى إلى وجود صراع خفي يُخاض داخل هياكل ومراكز مؤسسات الدولة، مما أسفر عن وجود نوع من التنافس أو الاحتكاك، مما نتج عنه تعطيل وجمود على مستوى التفاعل، مع انتظارات الشارع وهموم الناس.

شارك المقال