محمد السادس.. تآكل المشروعيات التقليدية والبحث عن مصادر جديدة

30/07/2019 - 20:02
محمد السادس.. تآكل المشروعيات التقليدية والبحث عن مصادر جديدة

المشروع المجتمعي ومحاولة البحث عن أنماط جديدة من المشروعيات، كالمشروعية التنموية، وتوظيف جيل جديد من الخطب الملكية، سواء من خلال التساؤل عن مآل الثروة والتشخيص الحاد والجريء لوضعية الإدارة المغربية، كلها شكلت عناوين لأسلوب جديد اعتمده الملك طيلة العشرين سنة. لكن مع مرور الوقت، وعدم تنزيل أو استتباع الخطب والتوجيهات الملكية بخطوات عملية وإجرائية صارمة من طرف طاقمه القريب أو الحكومة، جعلت البعض ينظر إلى مضمون تلك الخطب نظرة ارتياب، بل تحولت في بعض الأحيان إلى وسيلة للمساءلة والتشكيك في التوجيهات والخطب الملكية، سواء من طرف بعض التيارات المعارضة أو أفراد المجتمع، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

من جهة أخرى، فإن ضعف الأحزاب والنقابات، وسقوط البدائل أو الوسائط التقليدية، أدى إلى استدعاء المؤسسة الملكية، بحيث صار الشعب يستدعي الملك للخروج من الأزمة، إذ إن الكل صار يطالب بتدخله للخروج من الوضع المقلق المنتشر في صفوف المجتمع. وجدير بالذكر أن المطالبة سابقا بتدخل الملك في الأزمات والمحطات الكبرى كانت محكومة بروابط الثقة والتقدير اللذين تحظى بهما المؤسسة الملكية عند المواطنين.

لكن الملفت أن شكل وطريقة وكيفية المطالبة بتدخل الملك خلال الظرفية الراهنة، بدت مختلفة تماما عن سابقاتها، بحيث أصبحت توجه سهام النقد إلى المؤسسة نفسها، وهي التكلفة التي ظهرت بفعل الزج بالملك في الفضاء العمومي بتلك الطريقة والدفع به إلى واجهة الأحداث تارة، باعتباره رئيسا للدولة، وتارة أخرى، محاولة تصويره « كالمنقذ ». ومن تداعيات ذلك، أن أصبحت المؤسسة الملكية في « مواجهة السخط العارم »، مما استهلك شيئا من رصيدها ومن مشروعيتها، بحيث صار الكل ينتظر قرارات كبرى من طرف الفاعل المركزي، من شأنها أن تحدث رجة في الواقع المتردي وتحيي آمال فئات عريضة من المجتمع المغربي في إحداث التغيير.

كما أنه طيلة الفترة الممتدة من خطاب الملك في 9 مارس 2011، أي ما يقارب 8 سنوات لم تتخذ أي مبادرة كبرى، من شأنها أن تقوي أو تسمح بالحفاظ على المكانة الاجتماعية للمؤسسة الملكية، بل بالعكس، فالصراع الخفي الذي يخاض بأشكال مختلفة مع الإسلاميين المنخرطين في العملية السياسية وخارجها، أفقدها ونال من بعض رصيدها المعنوي والرمزي، خاصة في ظل تفاقم وتردي الوضع الاجتماعي، وممارسات ومناورات كل من رئيس الحكومة السابق بنكيران، الذي استطاع أن يمرر خطابا ورسائل مفادها أنه لا يحكم، ورئيس حكومة حالي يُمرر بدوره الرسالة نفسها، من خلال صمته وكلامه الذي يوحي بأنه مجرد موظف سام، وليس رئيسا للحكومة بصلاحيات كبيرة ويشرف على تعيينات في مناصب سامية تفوق ألف منصب..

من جانب آخر، فطيلة الـ20 سنة الماضية، سادت النخب نفسها التي اشتغلت مع الحسن الثاني، ولم تعمم مسألة دوران النخب على مختلف المستويات، بحيث ظلت الأغلبية الساحقة من القادة الحزبيين وبعض المسؤولين من مخلفات حقبة مضت. ومن تجليات ذلك، أن جيل السياسيين الموجودين، حاليا، وقادة الأحزاب عاصرت فترة الراحل الحسن الثاني. فعدم إنتاج نخب جديدة والاعتماد على جيل سابق محكوم بثقافة ورواسب معينة، أفضى إلى توقف الزمن السياسي المغربي، وإلى تكرار وإعادة إنتاج الممارسات العتيقة نفسها والمتجاوزة، مما نتج عن هذا الوضع، كذلك، المراهنة على البدائل نفسها واعتماد الأساليب والطرق نفسها، التي اعتمدت سابقا في ضبط الحقل السياسي والحزبي وتوجيهه، خاصة فيما يتعلق بخلق تنظيمات وهيئات للمنافسة والتزاحم. ورغم المجهودات التي يقوم بها الملك لامتصاص الاحتقان الاجتماعي والتفاعل مع انتظارات الشباب، من خلال توجيه الحكومة (تطوير قطاع التكوين المهني، التجنيد الإجباري..) إلا أنه خلال السنتين الأخيرتين، عرف المغرب مختلف أنواع الاحتجاجات، سواء السلوك الاحتجاجي/الشعبي في كل من زاكورة، الحسيمة، وجرادة، والاحتجاج الفئوي، علاوة على احتجاج الأساتذة المتعاقدين وطلبة الطب..، وكلها مؤشرات تؤكد أن ثمة تحولات بنيوية يعرفها المجتمع المغربي. وبقدر ما أن انتشار وتمدد الفعل الاحتجاجي بمختلف أشكاله، يعكس أو يؤشر على فشل المشاريع التنموية السابقة، بقدر ما يؤكد على أن هناك « أزمة تصور » في إدارة البلاد، « أزمة أو تآكل المشروعية »، وتفكك البنى التقليدية التي شكلت سابقا أهم أعمدة الحكم. ختاما، من الواضح أن المغرب طيلة العشرين سنة التي مضت، قطع أشواطا مهمة في مجال الأمن، إذ عمل على إحداث المكتب المركزي للأبحاث القضائية، وتحديث طريقة وأسلوب عمل المؤسسة الأمنية، وحماية البلاد من خطر الإرهاب، (عدد الخلايا التي تم تفكيكها منذ سنة 2002 إلى اليوم، وصل إلى ما يقارب 190خلية)، لكن، استمرار الزج بهذه المؤسسة في المشاكل ذات الطبيعة الاجتماعية يُعيد هذا الجهاز إلى نقطة الصفر، ويؤثر سلبا على التراكم الذي حققه المغرب في المجال الحقوقي، فارتفاع منسوب الاحتجاج وعدد المظاهرات، يستدعي البحث عن أجوبة تنموية واقتصادية اجتماعية.

أما المجال السياسي، فمن الواضح، كذلك، أن يجري استنساخ وتكرار المقاربات والحلول نفسها، التي فشلت سابقا في التصدي للمكون الإسلامي، مقاربات أضحت متجاوزة ومبتذلة، ومن تداعياتها أن صارت المؤسسة الملكية في واجهة الأحداث وبدون الوسائط التي يفترض منها أو من الممكن أن تلعب أدوارا مهمة، في امتصاص وعقلنة مطالب الشارع التي قد تبدو في بعض الأحيان مشروعة، لكنها صعبة التحقق بتلك السهولة التي يعتقد البعض.

شارك المقال