الفقيه بينبين: آخر لقاء لي مع الملك المريض -الحلقة20

31 يوليو 2019 - 18:21

قضى الفقيه بينبين مدة تناهز 31 عاما يشتغل مؤنسا للملك الحسن الثاني.. ابنه ماحي بينبين، اختار توثيق هذه التجربة المثيرة في رواية «مؤنس الملك» التي تمت ترجمتها لعدة لغات.. في هذه الحلقات نجري حوارا مع الروائي والفنان ماحي بينبين، وقصته مع والده، كما ننشر أبرز فصول الرواية.

كان سيدي يسير بصعوبة، ومع كل خطوة يتوقف لالتقاط أنفاسه، متكئا على عصاه، وهي قطعة من الخشب الثمين ذات مقبض عاجي على هيئة أسد يزأر، تثير إعجابي منذ زمن بعيد. في الماضي، كانت تلك العصا أداة يتباهى بها سيدي، ويسير في أروقة القصر متلاعبا بها. لكن الأمر لم يعد كذلك. فقد استعادت العصا وظيفتها الأساسية لتسند جسدا ضعيفا ومريضا وعاجزا عن الحركة. كانت آثار الأرق ظاهرة بوضوح في ملامح سيدي المشدودة. وتوارت عيناه بين جفنيه الهابطين والجيوب المنتفخة والبشعة فوق عظم خديه. وحتى حين كنت أغادر في ساعة متأخرة ليلا، كان رئيس الخدم يتصل بي في الصباح الباكر، فأسارع إليه بفرح حقيقي. وكان يحدث أحيانا أن أنام في القصر، لأن ذلك أسهل علي من الذهاب إلى بيتي والعودة. كنت أحب أن أتنزه مع الملك حين تنبش الوحوش القابعة في بطنه مخالبها. تلك الاستراحة القصيرة هي التي كانت تسمح لسيدي بالبقاء واقفا على قدميه. كنا نسير جنبا إلى جنب كصديقين قديمين، بدون أن نتحادث، أو يقتصر حديثنا على كلمات قليلة جدا. منذ أن بدأت أرافق مولاي كنت أعرف تماما، وبدون أي تردد، اللحظة التي علي فيها أن أتدخل.

في هذا الصباح، جلسنا على مقعد في ظل شجرة جكراندة مزهرة.

أحب هذه الأزهار البنفسجية، قال لي، أجهل لماذا ينسب الرسامون اللون البنفسجي إلى الموت…

ـ هذا اللون لا يوحي بالموت أبدا، يا سيدي، لكنك تعرف الفنانين.. لا يوجد جنس أكثر خداعا منه…

ـ صحيح، أنا أعرفهم حق المعرفة. إنهم فريدون، ومرهفو المشاعر، وسعداء ظاهريا إلا أنهم يعانون ألما قديما جدا في الروح، وذوو حساسية مفرطة إلى حد المرض، تتحكم بهم عزة نفس لا حدود لها، أقوياء وضعفاء في آن معا. ولكنني لم أشعر بالارتياح قط إلا بصحبتهم.

ـ لهذا السبب استبقيتني يا صاحب الجلالة، وتابعت أقول للملك الذي ابتسم: في كل الحكايات القديمة، غالبا ما ارتبطت فكرة الموت بصورة نور قوي، وعنيف، لا يمكن رؤية شيء من شدة قوته. ولا يمكن رؤية الألوان إلا بعدما ينفتح باب السماء على مصراعيه..

رفع سيدي عينيه، وجال بنظرته في الأغصان المغطاة بالأزهار تحت سماء صافية.

ـ إنها المرة الأخيرة التي أرى فيها هذه الشجرة مزهرة، أليس كذلك يا محمد؟

لو كان الظرف عاديا لكذبت، وأنكرت الحقيقة نكرانا تاما، بكل ما أملك من قوة، ولضاعفت ألف مرة الوقت الذي تبقى لمولاي من الحياة. هذا اختصاصي: أنا أقبض أجرا لتقديم الفرح وقول الكلام الذي يحب الملك سماعه. أقبض أجرا لتزيين الأوهام بأشرطة حمراء، ولأقدم بدون أن يرمش لي جفن، الأبد كله إلى ملكي الذي سيتظاهر بسماعي..

لو كان الظرف عاديا، لانتظر مني سيدي أكاذيب، ومديحا مبالغا فيه، وكلاما يسيل كالعسل من قفير نحل امتلأ حتى التخمة.. لكنني لن أفعل ذلك اليوم. فلا هو ولا أنا أردنا الخداع. كان سيدي يتوقع مني أن أنظر إليه كما ينظر المرء إلى صديق يحتضر بدون حاجة إلى الكذب. كان قلبي يخفق بشدة لأنني سمحت لنفسي بالقيام بأمر لا يمكن تصوره، أستحق من أجله مائة جلدة. بأمر ما كان أحد ليجيزه لنفسه قط. أخذت يد مولاي بين يدي وشددت عليها بقوة. كانت يده هزيلة ومتجعدة، ولم يسحبها من بين يدي. بقينا صامتين لبرهة من الوقت. ثم ناولني عصاه، وقال لي:

ـ خذها.

ـ إنها عصاك المفضلة يا سيدي. أحب أن أراك تلعب بها.

ـ أريد منك أن تحتفظ بها.

ـ كانت لأبي، قال سيدي.

يجب أن تؤول إلى ولي العهد، لا إلى خادم تافه.

ـ لست خادما تافها يا محمد. أنت صديقي. أعرفك على الأقل بالقدر الذي تعرفني. وأعرف أنها تعجبك، اعتن بها.

ثم رفع عينيه نحو أزهار الجكراندة.

ـ لن أعود لرؤية الأزهار بعد اليوم، أليس كذلك؟

حدقت في جفنيه الشبيهين بستارتين انسدلتا فوق عينيه المريضتين، وأجبته:

لا لن تراها يا مولاي.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي