الإدريسي: لم يعترض الجزائريون على موقف نظامهم من قضية استرداد المغرب لصحرائه

02/08/2019 - 10:01
 الإدريسي: لم يعترض الجزائريون على موقف نظامهم من قضية استرداد المغرب لصحرائه

من عمق شمال المغرب، ريف آيث ورياغل، إلى طنجة والجزائر وتونس، ثم العودة إلى المغرب: إلى جامعة محمد الخامس بالرباط، قبل أن تقوده غواية الحركة إلى كندا، نصحب الجامعي، الباحث في تاريخ الفكر السياسي في الإسلام، والدبلوماسي، علي الإدريسي، في عملية سبر أغوار ذاكرة متدفقة. في هذه الحلقات، يعيد الإدريسي بناء الأحداث، وتقييم مسارات أزمنة، واستخلاص الدروس. فـ«الحديث عن الزمن الذي عشناه وعايشنا أحداثه وظرفياته لا يعني استرجاعه، كما تسترجعه كاميرات التصوير، بل استحضارا لوقائع معينة كان لها تأثير إيجابي أو سلبي على الذات، وعلى المجتمع الذي ننتسب إليه». كل ذلك بعين ناقدة ذاتية-موضوعية، لعل في عملية التذكر تلك للزمن الذي مضى ما يفيد الأجيال الحالية واللاحقة.

الزمن الذي كان .. سفر في ذاكرة الإدريسي

 توقفنا في الحلقة الأخيرة من الجزء الأول من مذكراتك عند قرار الرئيس الجزائري الهواري بومدين طرد مغاربة الجزائر، هل كان الهدف خلق مشكلة اجتماعية للنظام المغربي؟

لا أظن أن الهدف الأساس من قرار الطرد كان يكمن في إحراج نظام الحسن الثاني بتعجيزه عن استيعاب 45000 ألف مغربي طردوا من منازلهم، دون أن يسمح لهم بنقل أي شيء من متاعهم فحسب، بل كان ذلك، حسب ظني، بمثابة بالون اختبار لمعرفة مدى الاقتناع الشعبي في الجزائر بقيادة بومدين، القادم من المجهول، بسياسته إزاء جيران الجزائر، وبالروح الوطنية الجديدة، المفروض التأسيس لها في زمن الاستقلال، قياسا على ردّة فعل الشعب الجزائري نحو قرار طرد المغاربة الجماعي، والفصل الذي رافقه؛ المتمثل خاصة في فصل الأزواج المغاربة عن زوجاتهم الجزائريات، بل فصل الأولاد من أب مغربي عن أمهم الجزائرية، التي أبقيت في الجزائر ضدا على عاطفة الأمومة المهانة. وفعلا لم يخرج الجزائريون لاستنكار قرار الطرد، أو إبداء تضامنهم مع المغاربة المطرودين، وما حدث من فصل بين الأبناء وأمهاتهم. فقد اعتبر ذلك من قبل النظام نجاحا باهرا للوطنية الجزائرية، والنجاح في خلق عدو بديل عن الاستعمار القديم اسمه المغرب. وبالتالي لم يعترض الجزائريون على موقف نظامهم من قضية استرداد المغرب وحدته الترابية في الصحراء التي كانت تحت الاحتلال الإسباني. أما فرحات عباس، وابن يوسف بن خدة، والشيخ محمد خير الدين، وحسين لحول، الذين أصدروا في مارس 1976 نداء يستنكرون فيه « الصدام مع الشعب المغربي »، وهم شخصيات تاريخية مشهود لهم في وطنيتهم، فقد أُلقي عليهم القبض، ووصف بومدين القبض عليهم بأنه انتصار للثورة على أعدائها الخونة.

ومما استفاد المغرب في نظرك؟

هي استفادة لا تقل عن استفادة الجزائر من جانب تقوية الروح الوطنية المغربية؛ فعملية الطرد خلقت مشاعر جديدة تتجاوز كثيرا الدعاية الجزائرية التي كانت تغري كثيرا من شباب المغرب، بوصفها دولة الأمل لتحقيق مبدأ المساواة والعدالة الاجتماعية في شمال إفريقيا بطردها مواطنين مغاربة بسطاء ولد الكثير منهم في الجزائر من أم جزائرية، لديهم وثائق الإقامة القانونية؛ لا لشيء إلا أنهم يحملون الجنسية المغربية، وقد كان هناك من يستهزئ من شعار بومدين « مغرب الشعوب »؛ باعتباره المغرب الذي تغرب فيه شمس الشعوب، وليس المغرب الذي تحترم فيه إنسانية المغاربة. بالإضافة إلى إفراغ الساحة الجزائرية من المعارضة المزعجة للنظام، فقد غادرها الكثير، إما إلى المغرب وإما إلى أوروبا. وفي اجتماع مع « خالد » بن سعيد أيت إيدّر عقب الطرد المهين للمغاربة وإنكار نظام بومدين لاسترجاع المغرب لوحدته الترابية في الجنوب، وهو كان من بين من سعى غداة الاستقلال التوجه بجيش التحرير لتحرير الصحراء، إلا أن ظروف المنع كانت أقوى من القبول، وفقا لما عبر عنه الغالي العراقي في مذكراته. وكان ذلك المنع من الأسباب التي جعلت أيت إيدّر يلجأ إلى الجزائر عقب استقلالها. وقال يومذاك في ذلك الاجتماع في بيت الصحافي إبراهيم كامل إنه لم يعد هناك ما يدعو إلى البقاء في الجزائر أو المنفى.

 هل يمكن القول إن آخر عمل مسلح في المغرب، كان مصدره الجزائر، هو عملية مولاي بوعزة في الأطلس في مارس 1973؟

نعم، يبدو الأمر كذلك. ويمكن اعتبار ما أنجزه نظام بومدين في تحصين الوطنية الجزائرية، حسب تصوره، بأنه كان أقل بكثير مما حققه نظام الحسن الثاني في المغرب. فقد استطاع أن يروّض المعارضة المغربية لتصير لينة، ويمسك بخيوطها أكثر فأكثر، لكي تكون تحت نظره، وأصبح بنسعيد أيت إيدّر عضوا في البرلمان المغربي، بل إن حتى المعارضة الراديكالية المسماة « الحركة إلى الأمام » التي أيدت جبهة البوليساريو وقيام جمهوريتها في الصحراء، المسنودة بقوة من نظام بومدين ومن القذافي، فقدت (المعارضة) كثيرا من شعبيتها، ومن تعاطف المغاربة مع محاكمات أنصارها أمام النظام القضائي المغربي، الذي لا يتوفر على شروط المحاكمات العادلة.

 ما هي أهم ذكرياتك الشخصية عن زمن الوطنية الجديدة في الجزائر؟

أعتقد أن سبب إفلاتي من الطرد، ونجاة أبنائي من فصلهم عن أمهم الجزائرية، يعود إلى تدخل شخصيات جزائرية خيّرة كان لها حضور في حرب التحرير الجزائرية بصفة خاصة، وكان لها علاقة مع جلول ملايكة، المسؤول عن إدارة « حركات التحرير »، التابعة اسما لجبهة التحرير الوطني وفعليا للرئاسة؛ هذه الإدارة كان لها صوت مسموع في دوائر جزائرية كثيرة، منها إدارة البوليس. وقد كان تدخل جلول ملايكة فاعلا لصالحي ولمغاربة آخرين أيضا، الذين كان لهم من يتعاطف معهم من أهل النفوذ والمروءة.

أما علاقتي بالمواطنين الجزائريين فقد كانت عادية، بل كانت جيدة مع الكثير منهم، إذا ما تم تجنب الخوض في كل ما يسود العلاقة بين النظامين المغربي والجزائري. فقد كنت يومذاك مدرسا لمادة الفلسفة في التعليم الثانوي، وكان يجمعني الاحترام والتقدير المتبادل مع أغلب المدرسين والأطر الإدارية للثانويات التي مارست فيها التدريس، باستثناء بعض الأساتذة الحزبيين الذين كانوا معبئين ضد المغرب والمغاربة بشكل سافر. وحدث أن تجرأ أحدهم أن كتب بي تقريرا للمخابرات، قال فيه: بأنني أعمل ضد أيديولوجية الثورة الجزائرية وأهدافها، وأنني عميل لنظام الحسن الثاني، ووو… وقبل أن يُتخذ ضدي أي إجراء، قصدتْ المخابرات مدير الثانوية للاستفسار عن حقيقة الأمر، والاستقصاء عن شخصي. أكد المدير لـ »ضيوفه » أن ما قام به المبلِّغ بي هو كيد وانتقام من أستاذ يحترمه جل التلاميذ وأولياؤهم، وتعكس النتائج المحصل عليها في البكالوريا جديته والتزامه بتنفيذ برنامج وزارة التربية الجزائرية، عكس الأستاذ الذي راسل إدارتكم، والذي له علاقة سيئة بالجميع، ويستغل الحزب للضغط على الإدارة والوشاية بالمجدين في عملهم كالوشاية التي وصلتكم بشأن الإدريسي، عوض القيام بواجبه التعليمي والتربوي. وكان المدير شخصية وطنية من رعيل الوطنيين الكبار.

شارك المقال