من عمق شمال المغرب، ريف آيث ورياغل، إلى طنجة والجزائر وتونس، ثم العودة إلى المغرب: إلى جامعة محمد الخامس بالرباط، قبل أن تقوده غواية الحركة إلى كندا، نصحب الجامعي، الباحث في تاريخ الفكر السياسي في الإسلام، والدبلوماسي، علي الإدريسي، في عملية سبر أغوار ذاكرة متدفقة. في هذه الحلقات، يعيد الإدريسي بناء الأحداث، وتقييم مسارات أزمنة، واستخلاص الدروس. فـ«الحديث عن الزمن الذي عشناه وعايشنا أحداثه وظرفياته لا يعني استرجاعه، كما تسترجعه كاميرات التصوير، بل استحضارا لوقائع معينة كان لها تأثير إيجابي أو سلبي على الذات، وعلى المجتمع الذي ننتسب إليه». كل ذلك بعين ناقدة ذاتية-موضوعية، لعل في عملية التذكر تلك للزمن الذي مضى ما يفيد الأجيال الحالية واللاحقة.
لماذا لم يرفض الجزائريون قرار بومدين بطرد المغاربة؟
في الحقيقة، لطالما كنت أرى في عيون المواطنين الجزائريين موقف الاستنكار من قرار بومدين الخاص بالطرد الجماعي للمغاربة من الجزائر، وأتحدث هنا عن مواقف زملاء وأصدقاء ومواطنين عاديين، كلهم كنت أرى في أعينهم الاستنكار لما قامت به حكومة بومدين نحو مغاربة مقيمين بالجزائر قانونيا، لكن دون أن يكونوا قادرين على التعبير عن مشاعرهم علنا، وكأني بهم يرددون في أعماقهم « العين تدمع، والضمير لوّام، والقلب حزين، والتصريح به مهلكة للأنام »، لأن المخابرات العسكرية كانت حاضرة في كل مكان، ومسيطرة على كل شيء، كأنها شرطة هتلر المعروفة باسم « الجستابو Gestapo »، تتصيد كل شاذة وفاذة.
وبمناسبة الإشارة إلى علاقة التعاطف الشخصي للأصدقاء الجزائريين، فإني ما زلت وسأبقى أعتز وأفتخر بقيمة تلك الصداقات ما دمت حيا. وكثيرا ما كان يبوح لي بعض الأصدقاء من الجامعيين والكتاب والصحافيين بالضغوط التي يتعرضون لها قصد إدماجهم في الفوبيا البومدينية ضد المغرب، لكي يقنعوا المواطنين الجزائريين بتفوق دولتهم عن دولة المغرب الرجعية والتوسعية، وأن النظام الجزائري هو العنوان السياسي الأول في منطقة المغرب الكبير. وهو ما جدد التعبير عنه وزير خارجية الجزائر في 2017.
عشت بين البلدين، بماذا كانت توحي لك هكذا علاقة بين النظامين الجزائري والمغربي؟
رغم مأساة الطرد الجماعي لمغاربة بسطاء في غالبيتهم، كنت أتخيل دائما بأن العلاقة بين نظامي بومدين والحسن الثاني أشبه بعلاقة بين شقيقين، أمسيا شقيين، بسبب الإرث الذي خلّفه لهما زوج أمهما (الاستعمار الفرنسي). وقد انعكس ذلك الشقاء، بالنسبة للذين استمر وجودهم في جزائر وطنية بومدين الجديدة، من خلال التعامل القاسي للإدارة معهم. فبالإضافة إلى حرمان ما بقي من المغاربة في الجزائر من الولوج إلى الوظيفة العمومية، أو العمل في الشركات التابعة للدولة، فإنهم كانوا يُحرَمون من حق ملكية بيوتهم، أو الحصول على رخصة البناء، أو رخصة ممارسة الأعمال التجارية مثلا. أما ماذا كانت تمثل لنظام الحسن الثاني فيمكن العودة إلى الفصل المتعلق بالجزائر في كتابه « ذاكرة ملك ».
وكيف استطعت أن تلتحق أستاذا بالجامعة الجزائرية؟
بعد الإشادة الجماعية، والتوصية بالنشر من قبل لجنة مناقشة أطروحتي الجامعية، سنة 1987 التي تناولت « الإمامة والسياسة في فكر ابن تومرت، مقارنة بالإمامة عند الشيعة الاثني عشرية »، وبعد الاستغناء النهائي عن عملي أستاذا في التعليم الثانوي من طرف وزارة التربية الوطنية، وبعد أن سبق لي أن كنت أستاذا زائرا في معهد الفلسفة، أثناء تولية رئاسته أستاذي بوعمران الشيخ، وبعد الانطباع الإيجابي الذي عبر عنه الطلبة نحو شخصي المتواضع.
اقترح على رئيس معهد الفلسفة آنذاك الأستاذ عبد الرزاق قسّوم تقديم طلب التوظيف للعمل رسميا بمعهد الفلسفة أستاذا مساعدا.
وكان ذلك تعبيرا عن تعاطفه الراقي مع وضعي. إضافة إلى التجاوب مع رغبة الطلبة.
قدمت للأستاذ قسوم الطلب الذي وافق عليه وسانده بقوة، قبل أن يحوله إلى رئيس الجامعة في ذلك الزمن، السيد نور الدين طوالبي، وقد تلكأ هذا الأخير كثيرا في الموافقة على الطلب، قبل أن يستجيب لضغوط عدد من الأساتذة. أتذكر أن تلكؤ رئيس الجامعة بتأخير الموافقة جعل زميلي محمد اليعقابي، الذي قدم هو كذلك طلب التدريس في معهد الفلسفة، يضيق ذرعا بانتظار موافقة رئيس الجامعة، فقرر أن يغادر الجزائر نهائيا إلى فرنسا.
هذه خلاصة استمرار إقامتي في الجزائر، بعد طرد المغاربة منها، وقصة قبولي للتدريس في جامعة الجزائر. وكنت أعتقد، وما زلت، بأنه بقدر ما يوجد أناس طيبون يشرّفون القيم النبيلة لبلدهم، يوجد أيضا أشخاص آخرون يهمهم أن يشوهوا تلك القيم. فبالإضافة إلى عدم احترام تلك القيم من قبل كثير من الإداريين، صادفت في الجامعة كذلك من أساء إلى تلك القيم، وإلى القيم العلمية للجامعة. فذات مرة، وفي اجتماع لفرقة البحث التي كانت تحت إشراف الأستاذ بوعمران الشيخ، والتي كنت عضوا فيها، دخل علينا نائب رئيس الجامعة للبحث العلمي آنذاك، المؤرخ محفوظ قداش، وواجهني بنبرة عصبية مشمئزة قائلا: « اسمع أنت…، لا تنتظر مكافأة مالية من مشاركتك في هذه الفرقة، لأن المكافآت مخصصة للباحثين الجزائريين فقط ». قبل أن يضيف: « أما أنت فيكفي أننا قبلنا بك أستاذا في جامعتنا ». ومن جانبي كنت موقنا دائما بأن فضل الله على عباده أن جعل في البشرية خيّرين، حتى لا تنتصر سلوكيات البذاءة والعابثين.
هل كانت حياة باقي المغاربة في الجزائر الذين لم يشملهم قرار الطرد صعبة إلى هذا الحد؟
يصعب وصف حياة المغاربة الباقين في الجزائر بعبارات مختصرة، لأنها حياة أضحت شديدة التعقيد، وزوايا النظر إليها متعددة، وتعامل إدارة البلدين إزاءهم كان يلخصه مدى درجة التوجس منهم خيفة من أن يكونوا من خلال منظور النظام الجزائري عملاء للمغرب، بواسطة قنصليات بلدهم في الجزائر، أو أن يكونوا عملاء للجزائر في نظر النظام المغربي إلى « رعاياه » في الجزائر، ما داموا لم يُطردوا منها كالآخرين. وأتذكر على سبيل المثل لا الحصر، أن مهندسا في الاتصالات من أصول مغربية، اسمه محمد المالكي، تقدم للخدمة المدنية في المغرب، فعين في القاعدة الجوية بسلا. لكن بمجرد أن علم مسؤولو القاعدة بأنه من مواليد مدينة بلعباس الجزائرية تم تسريحه في الحين، دون أن يقبل لاحقا في أي مؤسسة مغربية أو إدارة أخرى. وهذا الشاب يعمل اليوم مهندسا كبيرا بشركة اتصالات كبري في أمريكا. وهناك عشرات، بل مئات من الأمثلة المشابهة. فالمغاربة في الجزائر « مراركة » (مغاربة) مشكوك فيهم كعملاء للمخابرات المغربية؛ وهم في المغرب، « دزيريين » (جزائريين) لا يؤتمنون، فقد يكونون مجندين من المخابرات الجزائرية.