لوفيغارو ماغازين: المغاربة يريدون ملكية قوية

05/08/2019 - 10:01
لوفيغارو ماغازين: المغاربة يريدون ملكية قوية

في كتابه الذي صدر في شهر يونيو الأخير عن دار النشر « الأَيْل » (le cerf) والمعنون بـ « محمد السادس، أو الملكية المستبصرة »، يُذَكِّر « شارل سانت-بروت »، مدير « مرصد الدراسات الجيوسياسية »، بالكيفية التي وصف بها الملك الشاب مفهومه للملكية لصحيفة « لوفيغارو » منذ سنة 2001: «المغاربة يريدون ملكية قوية، وديمقراطية، وتنفيذية.

إن ملكيتنا دستورية بوثيقة  أساسية تعود إلى 1962، كانت قد هُيِّئت بعد نقاش وثيق مع التنظيمات السياسية الموجودة حينها. ولكن عندنا لا يكتفي الملك بأن يسود، إنني أسود وأعمل مع حكومتي في إطار دستوري واضح، يحدد مسؤولية كل واحد. وليس هناك أي غموض، ولا أي عقدة فيما أقوله لكم. فمنذ ثلاثة عشر قرنا من وجود الملكية المغربية، تطورنا في هذا الإطار والمغاربة يريدونها هكذا».  ثم يضيف « شارل سانت-بروت » بأن محمد السادس ليس له أي طموح في أن يقارن بملكة إنجلترا أو ملك إسبانيا، ولكنه يريد أن يكون على رأس ملكية تحكم، لأن هذا ما يستجيب لانتظارات الشعب ولمصلحة الأمة.

وبعد عشرين سنة، استمر النظام كما هو، غير أن محمد السادس فهم منذ البداية بأن عليه على عكس والده، أن يقتسم السلطة، الدفاع، والعدل، و الداخلية، والدبلوماسية، والعبادات، الديوان الملكي، والحكومة الائتلافية المنتخبة ديمقراطيا، والمشَكَّلة من إسلاميين وتقدميين، الشؤون الاقتصادية  والاجتماعية. ولا مناص من تسجيل أن البلاد قد تمكنت من الإفلات من الأزمات التي تخترق جيرانها. فليبيا تعيش وسط نار ودماء، وتونس لا زالت في مرحلة هضم ربيعها العربي، وتحاول السيطرة على ارتداداتها الإرهابية، أما الجزائر فغارقة في مأزق سياسي يشلها.

وفي عشرين سنة تمكن M6، كما يسميه رعاياه، أن يقود سفينته بشكل جيد. وهناك علامة أخرى لحداثته، زواجه في سنة 2002 من سلمى بناني، متألقة من العامة، مهندسة معلوميات تعرف عليها سنة 1999، وليست من البلاط. وقد أنجبا ابنين، ولدا وبتنا، يظهر معهما الزوجان بدون حرج في الأعياد والمناسبات، وهو دليل آخر على بساطتهم. ولقد أصبحت سلمى بناني تسمى للاسلمى، وتحمل لقب صاحبة السمو: وقد حضرت زواج الأمير وليام وكيت ميدلتون، وهي ترأس جمعية لمحاربة داء السرطان، وترافق محمد السادس في زياراته الرسمية. وفي نفس الوقت يفرض زوجها نفسه على الساحة الدولية منذ سنة 2000.

في سنة 2004، تمت مراجعة مدونة الأسرة. والمغرب يشهد تقدما كبيرا في ملف حقوق النساء، وإن كانت الطريق إلى المساواة بين النساء والرجال لا زالت طويلة. وفي نفس السنة، أحدث الملك هيئة الإنصاف والمصالحة (IER)، وهي منظمة رُصدت لمصالحة الشعب المغربي مع ماضيه خلال السنوات المسماة بسنوات الرصاص في عهد الحسن الثاني. وفي سنة 2005، أطلق محمد السادس مبادرة التنمية البشرية (INDH)، المخصصة للعمل على اجتثاث الفقر، وعدة برامج تهدف إلى تسهيل ولوج الأكثر فقرا إلى الخدمات والبنيات التحتية الأساسية، مثل التعليم، والصحة، والماء، والكهرباء. وكذلك، فإن مراجعة للدستور في سنة 2011، أدت إلى دسترة الحقوق والحريات العامة، وكذلك أوراش كبرى في اتجاه الجهوية، حسب ما كتب « شارل سانت-بروت ».

ولم ينسَ محمد السادس أن رعاياه سموه منذ بداية عهده بـ « ملك الفقراء ». وهكذا فشمال المملكة، الذي كان دائما منطقة ثورات، أهملها الحسن الثاني، قد أعيد إليه الاعتباره، فقد خصص له الملك الجديد أول زيارة رسمية له، وأطلق في طنجة مشروع أكبر محور مينائي في غرب إفريقيا، ووضع على السكة القطار الفائق السرعة الرابط بين طنجة والدار البيضاء. فمحمد السادس هو بالفعل بانٍ بعيد النظر.

ولكن لكل عُملة وجهها الآخر. ففي الجانب السلبي، بعد عشرين عاما من الحكم خيب جلالته بعض الآمال: بطالة الشباب، الأمية، هجرة الخريجين، لقد تساءل محمد السادس في النهاية من خلال أحد خطبه الأولى: أين ذهبت ثروة المغرب؟ هذا السؤال ظل بدون جواب. في سنة 2018 نُسب للعاهل امتلاكه لثروة تقدر بـ 5،7 مليار دولار، ليصير بذلك سادس أغنى ملك في كل الكرة الأرضية. يُشَغِّلُ 100 1 من الخدم، ويمتلك 12 قصرا، وكذلك قصر « بيتز » بهكتاراته الـ71 في منطقة  « لواز » بفرنسا، وفندق « روايال المنصور » بمراكش، و »باديس1″ الذي يعتبر واحدا من أكبر اليخوت الشراعية  في العالم.

إضافة إلى أن الأسرة الملكية تتلقى من الدولة 260 مليون أورو في السنة، وتستمد الجزء الأكبر من ثروتها من أكبر مجموعة خاصة في البلاد « الشركة الوطنية للاستثمار » (SNI)، وهي هولدينغ متنوع مملوك في أغلبه للأسرة المالكة، وقد غير اسمه مؤخرا إلى « المدى ». إنه اليوم إمبراطورية، يمتلك أسهما في أزيد من ثلاثين مقاولة، بعضها متعددة الجنسية، موزعة على خمسة عشر قطاع اقتصاديا هاما.

الغيابات المتكررة والمقلقة

وفي الأخير، وفي الجانب العاطفي، في سنة 2018 كان الطلاق بين محمد السادس وللا سلمى، التي اختفت بعدها نهائيا من الأجندة الملكية، لدرجة أن البعض أخذوا يتساءلون: هل لا  زالت على قيد الحياة؟  وثم تأتي في الأخير الشائعات عن الحياة المتحررة للملك، التي يقضيها في الأسفار، في هونكونغ، والغابون، وفرنسا. بل إن إحدى الصحف قد سمته « ملك بيتز ».  ولقد عبر صحافي « إيل موندو » إينياسيو سامبريرو عن استغرابه من: «الغيابات المحيرة  لملك المغرب».  إذ من أبريل إلى شتنبر 2017، قضى %45 من وقته خارج المغرب. وخلال الأشهر الأربع الأولى من سنة 2018 قضى أقل من عشرين يوما في المغرب، أي %16 من وقته. ولقد ذكَّرت الصحافة الرسمية أن العاهل  يقضي فترة نقاهة بعد أن أجرى عملية في القلب لمعالجة اضطراب في الإيقاع الأذيني، وذلك في مستشفى « آمبرواس-باري ». إنها غيابات قد تؤدي إذا ما استمرت، إلى تساؤلات جد مقلقة، وقد تشوش بشكل دائم على صورته كمستبصر ذي نظر بعيد.

لوفيغارو ماغازين- عدد 26 يوليوز 2019

ترجمة: إبراهيم الخشباني

شارك المقال