الإدريسي: اسم "حزب التقدم والاشتراكية" اقترحه الملك الحسن الثاني شخصيا على رئيس الحزب علي يعتة

06 أغسطس 2019 - 18:21

من عمق شمال المغرب، ريف آيث ورياغل، إلى طنجة والجزائر وتونس، ثم العودة إلى المغرب: إلى جامعة محمد الخامس بالرباط، قبل أن تقوده غواية الحركة إلى كندا، نصحب الجامعي، الباحث في تاريخ الفكر السياسي في الإسلام، والدبلوماسي، علي الإدريسي، في عملية سبر أغوار ذاكرة متدفقة. في هذه الحلقات، يعيد الإدريسي بناء الأحداث، وتقييم مسارات أزمنة، واستخلاص الدروس. فـ«الحديث عن الزمن الذي عشناه وعايشنا أحداثه وظرفياته لا يعني استرجاعه، كما تسترجعه كاميرات التصوير، بل استحضارا لوقائع معينة كان لها تأثير إيجابي أو سلبي على الذات، وعلى المجتمع الذي ننتسب إليه». كل ذلك بعين ناقدة ذاتية-موضوعية، لعل في عملية التذكر تلك للزمن الذي مضى ما يفيد الأجيال الحالية واللاحقة.

عرضت قضايا تخص وضع مغاربة الجزائر، ولم تشر بعد إلى تطور قناعاتك الشخصية؟

اهتماماتي الشخصية كانت تتغذى من خلال ما يحدث لمغاربة الجزائر، التي سبق لي أن عرضت بعض صور حياتهم ومآسيهم؛ وقد تمت الإشارة إلى ذلك فيما تقدم، ومن خلال تطور اللعبة السياسية والحزبية في المغرب. ثم محاولة معرفة أسباب محاربة الخطابي ورفاقه في المغرب وإقصاء الشمال بما فيه الريف من أي تنمية اجتماعية أو اقتصادية حقيقية. وسبق لي أن أشرت في حلقة سابقة إلى أن وضعية الأحزاب كانت تتشابه إلى حد كبير مع وضعية الزوايا الدينية الكبرى في مرحلة ما قبل الاحتلال الفرنسي.

وما هي أهم التطورات التي عرفتها الساحة الحزبية في المغرب في تلك الفترة من وجهة نظرك؟

تطورت وضعية الأحزاب في المغرب عقب محاولتي انقلاب سنتي 71 و72، خاصة بعد خطاب الحسن الثاني الذي وجّهه إلى الأحزاب المشاكسة تحديدا، بأن مصيرها مع الجيل الجديد من المغاربة، المتنكر للجميع، لن يكون في مأمن. ولذا طلب منها أن تغيّر خطابها ومنهجيتها السياسية. وتجاوبا مع خطاب الملك، أو تعليماته سُمح في سنة 1974 بعودة الحزب الشيوعي إلى العمل العلني والشرعي تحت اسم “حزب التقدم والاشتراكية”. وهو اسم اقترحه الملك الحسن الثاني شخصيا على رئيس الحزب علي يعتة. وفي الإطار نفسه انشق ما سيعرف بـ”حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عن حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية سنة 1975. وفي سنة 1978 تم تأسس “حزب التجمع الوطني للأحرار” ليخلف عمليا حزب جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية (لفديك)، المؤسس سنة 1963. وفي سنة 1983 أنشئ حزب آخر من طينة التجمع الوطني للأحرار ولفديك، وهو “حزب الاتحاد الدستوري”، وفي السنة نفسها سُمح لظهور حزب يساري، هو “منظمة العمل الديمقراطي الشعبي”. ومن حق أي مغربي، إذن، أن يتساءل: هل انشقاق الاتحاد إلى حزبين يومذاك، وإعادة الحزب الشيوعي إلى الشرعية العلنية، وظهور ما كان ينعت بأحزاب الإدارة، والسماح لحركة 23 مارس أن تتحول إلى حزب منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، تعبير حقيقي عن تطور إيجابي للعمل الحزبي في المغرب؟ أم أنه مجرد وسيلة للمراقبة والتحكم فيما يعتمل داخل الجسم الحزبي المغربي، حتى لا تتكرر محاولتا 71 و72 الانقلابيتين؟ من الأفضل أن يترك الجواب للمغاربة جميعا، تقديرا لمشاربهم الثقافية، واحتراما لقناعاتهم الأيديولوجية.

أشرت أعلاه إلى أن اهتمامك توجه كذلك إلى معرفة أسباب محاربة الخطابي والمتعاطفين معه وتهميش منطقة الريف، فماذا اكتشفت؟

كان تعاطفي، كجميع المغاربة الأحرار، مع محمد بن عبد الكريم الخطابي منذ طفولتي، كما كان تقديري لحرب التحرير الريفية التي قادها بمثابة استجابة عظيمة ونبيلة لنداء الوطن وهو معرّض للخطر. وسيتأكد عندي هذا التقدير سنة 1967 أثناء زيارتي الأولى لفرنسا. حيث صادفت هناك أثناء تنقلي بواسطة Auto Stop، أن ركبت سيارة شخص فرنسي يبدو عليه أنه متقاعد. وحين تبادلنا التعارف، وعرف أنني مغربي، وعرفت أنه عقيد سابق في الجيش الفرنسي، راح يحدثني عن حرب التحرير الريفية، وعن الخطابي، وأفدت منه معلومات لم يسبق لأي مغربي أن صرح بها، بل إن التقدير الذي لاحظته في كلام هذا العقيد الفرنسي كان مخالفا لما حدث لي وللغازي وللعمارتي حين قمنا بلقاء مع ابني الخطابي: عبد السلام وسعيد في الجزائر، صيف 1965، كما أسلفت في حلقة سابقة. ومعلوم أن ذكر اسم الخطابي في المغرب كان بمثابة جريمة سياسية، حسب ما ذكره الفقيه البصري في مذكراته. فقد كانت هناك اتهامات مغربية صريحة أو مبطنة ضد الخطابي، حين يوصف بالنزعة الانفصالية وتهديد الوحدة الترابية للمغرب، أو أنه ضد النظام الملكي، وكانت توجه التهم نفسها وأكثر إلى كل من يتعاطف معه. وآخر ما اتهم به شخص يدعى الحسين برادة الخطابي، في مجلة “زمان” بأنه كان يتجسس عليه لصالح فرنسا. صحيح: كل شيء في المغرب لا يُستغرب.

والمهم أني عرفت من هذا العقيد في الجيش الفرنسي أنه مارس عمله العسكري في كل من الجزائر والمغرب، أثناء فترة الاستعمار، وأنه كان من خبراء ما كان يسمى “المكاتب العربية” Bureaux Arabes. أما الموقف الرسمي للمخزن المغربي من حرب التحرير الريفية، فيمكن أن نستخلصه مما لخص به الملك الحسن الثاني تلك الحرب في كتابه “التحدي” بقوله: “إنها ليست إلا لعبة لم تكن تدار لا من قبل المغاربة، ولا من قبل الإسبان أو الفرنسيين”.

ما أهمية ما اطلعت عليه؟

دفعتني مواقف أغلب قيادات الأحزاب المغربية من حرب التحرير الريفية ومن الخطابي، وما أفادني به ذلك العقيد الفرنسي، إلى ازدياد شهيتي للبحث عن رفاق الخطابي الأحياء قصد الاستماع إلى شهادتهم الحية، فأفادوني بمعلومات أكدها لي التاريخ والتقارير غير المغربية، كما دفعتني إلى الاطلاع على رؤية والتر هاريس، صاحب كتاب “المغرب المنقرض” لتلك الحرب التي لخصها في قوله: “إن الأمر كان يتعلق بحرب لم يكن لها شبيه في التاريخ الاستعماري”. كما أن صحافيا أمريكيا لخص نتيجتها النهائية بقوله: “فرنسا انتصرت عسكريا، ولكن المجد يبقى للريف”. وجاء كتاب “عبد الكريم وجمهورية الريف Abdelkrim et la république du Rif”، الذي تضمن محاضرات ملتقى باريس الدولي عن عبد الكريم الخطابي لسنة 1973 ليدعم عندي هذا الاطلاع.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.