غويتيسولو بالعربي.. نعيش في كازينو عالمي -الحلقة25

09 أغسطس 2019 - 01:33

بعد مرور سنتين على وفاته يوم 4 يوينو 2017، تعيد «أخبار اليوم» خلال هذا الصيف نشر، في حلقات، مجموعة من المقالات التي سبق ونشرها الكاتب الإسباني العالمي خوان غويتيسولو (ازداد سنة 1931) ، في صحيفة «إلباييس» منذ سنة 2000 حول المغرب، بشكل خاص، والمغرب الكبير والعالم العالم، عامة.

– هل صحيح ما يقال عن العلاقة السيئة التي تربطك بالصحافيين؟

+ نعم. مع البعض منهم فقط. لا يروقني أن يفرضوا علي وضعيات التصوير. مثلا، أن يقال لي: «عليك وضع اليد على الخد»، كما لو أنني أعاني آلام الأسنان، أو الجلوس على مقعد أمام مكتبة لكي أظهر موسوعية قراءاتي. لنكن واقعيين، أنا كاتب، ولست ممثلا سينمائيا.

– صديقي قال لي…

+ ركز معي، سأحكي لك طرفة. عندما كنت أعيش في باريس، زارني شاب أشقر ورشيق مثل الملائكة الذين يظهرون في رسومات عصر النهضة. أخبرني بأنه يعرف قصة صداقتي مع جان جينيه، وعرض علي بعض الصور التي التقطها له في ساحة عامة قبل وفاته بأيام قليلة. أثرت في هذه البادرة ودعوته إلى احتساء قهوة. وتحدث لي بعدها عن شغفه برولان بارت، وقال لي إنه صوره، أيضا، عشية اليوم الذي دهسته فيه حافلة. مباشرة تبادر إلى ذهني قصده من الحديث إلي، وعندما قال لي: «يشرفني أن ألتقط لك صورة»، رددت عليه في الحين بلا حازمة.

– لا تقلقي أستاذي. لن ألتقط لك أي صورة.

+ أشكرك.

– أريد أن أسألكم عن الكتب التي قرأتموها هذا الصيف، أو تلك التي أعدتم قراءتها. مجرد فضول لا غير.

+ رزمة جيدة. قرأت لكتاب فرنسيين وروس ولتوماس بينشون، ودراسة حول مسلك أسقف إيتا من السلسلة الجبلية مورينا إلى كاستيا، ومختارات من شعرنا في زمن انقرض فيه الشعر الجيد تقريبا، ومقدمة ابن خلدون…

– هذا ما وددت أن أسألك عنه. يعاتبك الناس على اهتمامك بالعالم العربي. هل هو شذوذ؟

+ في العالم المحوسب الذي نعيش فيه نحتاج إلى بعض الشذوذ. أعتقد أنه يجب عليك مراجعة الجمل التي تلفظت بها، وأن تحلل أسباب عدم اهتمامنا بالعالم العربي، وهو مثال جيد عن القطيعة الثقافية التي مازلنا نعانيها. انظر إلى خورخي لويس بورخيس (الكاتب الأرجنتيني)؛ قرأ القرآن بالكثير من التمعن أكثر مني، كما أنه أفضل قارئ لألف ليلة وليلة، أم الكتب.

– لكن بورخيس لم يخض في قضايا شائكة مثلك أنت، أقصد الثورات التونسية والمصرية والليبية والسورية. ألا ترعبك هذه النزاعات؟

+ الحياة حركة دائمة، ومن لا يتغير، يتحجر، وينتهي كما لو أنه لم يكن شيئا.

– هل تقصدون هذا البلد؟

+ أنا أتحدث عن الكازينو العالمي الذي نعيش فيه. بدءا بخضوع وخنوع الأحزاب السياسية والحكومات، كيفما كانت برنامجها، لقوانين ونزوات الأسواق. من اختار وكالات تصنيف المخاطر لتلعب بحيوات أكثر من 90 في المائة من الإنسانية، كما لو كان الأمر يتعلق بكرة الطاولة أو لعبة البارتشي؟ هذا الوضع لن يطول، وسيؤول إلى الزوال عاجلا أم آجلا.

– تتحدث مثل الغاضبين في بوريتا ديل السول (حركة احتجاجية بإسبانيا شبيهة بـ20 فبراير بالمغرب).

+ أقاسمهم مشاعرهم، رغم أنني لست من رواد التجمعات والمسيرات. في سني، السلاح الدفاعي الوحيد الذي بحوزتي هو السخرية. كلما كانت السخرية نقدية أكثر، كانت أفضل. إذا سمحت لي بأن أستشهد بنفسي، سأعيد السؤال الذي صغته قبل بضعة أسابيع على صفحات هذه الجريدة: «من سيكتشف الدواء الذي سيهدئ الأعصاب وهجمات هستيريا الأسواق؟»، إذا وُجد يجب منحه كل جوائز نوبل الموجودة والمقبلة.

– حسنا، شكرا على صبركم. لأريد أن أزعج بدوري أكثر الأشخاص إزعاجا.

ابتسم الشاب، وقام من الكرسي ومد إلي يديه. فقلت له بصوت منخفض:

+ أنا أزعج؟ إذن أنا موجود.

 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.