قصص المدنيين المعتقلين سابقا لدى البوليساريو

11 أغسطس 2019 - 22:01

منذ الإفراج عنهم في بداية سنة 2000، طرق ضحايا الاختطاف والاعتقال في سجون البوليساريو، من المواطنين المدنيين المغاربة، أبواب هيئة الإنصاف والمصالحة طلبا للتعويض عن سنوات الاختطاف والاعتقال التي فاقت مدتها، بالنسبة إلى الكثيرين منهم، العشرين عاما، لكن الهيئة، التي عالجت ملفات الانتهاكات ما بين 1956 و1999، كانت تعتبر أن هؤلاء لم يتعرضوا لانتهاكات من لدن الدولة، لكنها أوصت، فيما بعد، بمعالجة ملفاتهم، وهو ما جرى أخيرا في ظل المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بمنحهم تعويضات عن سنوات الاختطاف والاعتقال، على أساس أن الدولة مسؤولة عن حمايتهم، لأنهم اختُطفوا من داخل التراب المغربي. عدد هؤلاء الذين جرى تعويضهم بلغ 80 شخصا من الضحايا وذوي الحقوق، ومن هؤلاء إدريس الزايدي، الذي قضى 25 عاما في سجون البوليساريو. كان شابا لا يتعدى عمره العشرين سنة، عندما تعرض للاختطاف في مكان بين مدينتي العيون وبوكراع. ينحدر من مدينة القنيطرة، لكن له أصولا صحراوية، لذلك، كان يعيش في مدنية العيون في أواخر السبعينات، وينشط ضمن ما كان يعرف بالشباب «أبطال الصحراء». حصل ذلك قبل بناء الجدار الرملي، حيث كانت عناصر البوليساريو تتسلل ليلا إلى المدن المغربية وتختطف المدنيين عندما اندلعت الحرب. يقول الزايدي، لـ«أخبار اليوم»، إنه خلال اعتقاله عاش 7 سنوات معتقلا في حفرة مظلمة. يروي أن حوالي 2500 مغربي من كانوا معه معتقلين لدى البوليساريو، منهم 120 مدنيا، والبقية عسكريون، عانوا جميعا التعذيب والأشغال الشاقة، ومختلف أنواع الإهانات والحرمان. وفي 2001، أفرج عنه ضمن مجموعة من المعتقلين، فبدأ رحلة إعادة بناء حياته من جديد. تزوج وأنجب ولدا، وبدأ يطالب بحقه في التعويض مثل سائر المعتقلين المدنيين الآخرين. أسهم الزايدي في تنسيق مطالب المعتقلين المدنيين منذ 2011. من هؤلاء من رُفضت طلباتهم، ومنهم من قيل لهم إن وثائقهم ناقصة. يقول إنه تعرف على أشخاص فقراء من مدن هامشية، كانوا معتقلين معه، وعمل على التنسيق معهم لتوجيه مطالبهم إلى المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وهو ما أثمر حصولهم على تعويضات ومقررات تحكيمية للمرة الأولى. يرفض الزايدي كشف قيمة التعويض الذي حصل عليه، قائلا إنه مهما كانت قيمته فإنه لن يعوضه عن الـ25 سنة التي ضاعت من حياته، لكن الأهم بالنسبة إليه هو «اعتراف الدولة به وبزملائه»، مقدما شكره للملك محمد السادس.

ومن الضحايا المدنيين الذين عانوا إلى جانب الزايدي، هناك التيباري بنقيبال، الذي اختطف أواخر السبعينات في الصحراء عندما كان يعمل لدى شركة مختصة في تعبيد الطرق كانت تشتغل في الصحراء. ترك وراءه زوجته وثمانية أبناء، ست إناث وولدان، وقضى رهن الاعتقال حوالي 22 عاما. وعندما أفرج عنه في 2001، لم يعش سوى ثلاث سنوات ثم توفي وعمره يناهز الستين عاما. ومنذ ذلك الحين، يطالب أبناؤه، الذين عانوا وفقدوا والدتهم أيضا، بالتعويض.

وتروي خديجة بنقيبال، إحدى بنات الضحية، أن والدها تركها صغيرة عمرها 12 عاما عندما اختُطف، وعاشت رفقة إخوتها الثمانية حياة صعبة، زادت من حدتها وفاة الأم فيما بعد، دون أن تمنحهم الدولة أي تعويض منذ ذلك الحين إلى أن حصلوا عليه أخيرا.

وقالت أمينة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، خلال حفل خصص لتسليم المقررات التحكيمية للضحايا وذوي الحقوق المدنيين من المختطفين سابقا لدى البوليساريو، إن ملف المدنيين المعتقلين سابقا لدى البوليساريو يتضمن 367 مستفيدا، وقد سوى المجلس ملفات 80 مستفيدا منهم، مشيرة إلى أن هذا الملف ليس ضمن ملفات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ما بين 1956-1999، التي تتحمل أجهزة الدولة المغربية مسؤولية ارتكابها، أو موظفوها أو الأفراد التابعون لها، وخاطبت الضحايا وذويهم قائلة: «إن ما تعرضتم له من اختطاف، ضد مقتضيات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وما تعرضتم له من تعذيب ممنهج طيلة مدة اختطافكم وحرمانكم من أبسط الضمانات القانونية، وجهل أقربائكم بمصيركم ومكان وجودكم، ونكران الجهة المسؤولة عن اختطافكم ذلك، يحتم على الدولة تعويضكم».

وبالنظر إلى ما تعرضوا له، بصفتهم مدنيين وضحايا الاختفاء، من أضرار مادية ومعنوية، تمثلت أساسا في المعاناة والألم والحرمان، «فإن هيئة الإنصاف والمصالحة أوصت بجبر كافة أضرار الضحايا أو ذوي حقوقهم»، وقالت بوعياش، متوجهة إلى الضحايا، إن الدولة المغربية «وإن كانت لم ترتكب انتهاكات لحقوقكم الأساسية، بما فيها الاختطاف والتعذيب، إلا أنها، في الوقت نفسه، لم تقم بحمايتكم وأنتم تتعرضون للاختطاف داخل المغرب».

وأشارت بوعياش إلى أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان اعتمد «نظرية المخاطرة التي تعتبر أن الدولة مسؤولة عن حماية مواطنيها وعن الأضرار التي تصيبهم، وحتى إن لم تكن هي المسؤولة عن الأفعال»، وذكرت أن اجتهاد القضاء الإداري بعدد من الدول، بما فيها المغرب، أقر، إلى جانب المسؤولية التي ترتكز على الخطأ، «مسؤولية الحماية من المخاطر، أخذا بعين الاعتبار طبيعة الضرر الذي يصيب الأفراد، وتعويضهم عن ذلك ضمن مبدأ مساواة المواطنين أمام الأعباء العامة».

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.