فتح الأمير هشام بن عبد الله العلوي، أو هشام العلوي كما يرغب أن يوصف دون أي طقوس دلالية، كوة كبيرة في جدار القصر بالمغرب، وهو يكتب مذكراته. «الأمير المبعد» ليس انتقاما كما ظل يشدد، من إبعاد منهجي حصل منذ عشرين عاما، ولكنه لمحة إلى ما وراء أسوار القصر. رواية من وجهة نظر أمير ليست مثل أي رواية أخرى. فهي شهادة، كما هي حكم، وكما هي بيان شخصي، فهي أيضا درس تاريخي.
إذا كان كل كتاب هو عقد ثقة بين المؤلف والقارئ، فإن كتابا لأمير مغربي يخضع لهذا الوصف أكثر من غيره. ذلك أنه لم يحدث قط، في تاريخ العائلات التي تعاقبت على حكم المغرب، وهو تاريخ عريق، أن يشاطر عضو من الأسرة الملكية أفكاره مع من يعيش في « العالم الخارجي » وراء جدران القصر، ناهيك عمن هم وراء الحدود. هذا الواقع له أسباب وجيهة ليست كلها مرتبطة بازدراء ساكني « المشور السعيد »، وهو قلعة السلطة الملكية، للعالم الخارجي. إن المرء عندما يقدم على إنجاز كتاب من هذا النوع، فهو يكشف عن نفسه للقارئ ويبسط بين يديه مكنوناته. لقد اختمرت الفكرة في ذهني على مدى بضعة سنوات، وعندما نضج القرار عقدت العزم ولن أتوقف في منتصف الطريق. لن يكون خطابي في الصفحات التالية مهادنا ولا مجاملا، ولن أغلف أفكاري أو أخفي قناعاتي وراء المساحيق.
طبعا، هناك من سوف يسعي عبثا إلى إبراز « عبارات لاذعة » أو لدغات سامة في طيات الكتاب، ومن سيجهد نفسه للعثور ضمنه على تهجم على الأشخاص أو إفشاء لأسرار محرجة، لكن الواقع أن عانيت كثيرا من ضربات اللئام، فلن أسقط اليوم، في فخ الهبوط إلى المستوى الخسيس نفسه. على النقيض من ذلك، سيجد القارئ وصفا دقيقا وصريحا لدهاليز ومنعرجات منظومة مبهمة تمقت الصراحة وتكره الوضوح، لأن أعراف القصر الملكي في المغرب تعتبر الالتواء في التعبير قمة التحضر، وتصنف الخنوع كمنتهى المرونة وتثني على تغير الواقف لأنه غاية الحكمة. سيكون كلامي مباشرا: أنا لست « الأمير الأحمر »، تماما، كما أن محمد السادس ليس « ملك الفقراء »، لأن هذا الوصف ما هو إلا خدعة لم تعد تنطلي حتى على المغفلين، كما برهنت على ذلك أعوامه الخمسة عشر في الحكم. أما حكاية « الأمير الأحمر »، فلا توجد إلا في المرآة المشوهة لبعض وسائل الإعلام. لم أكن يوما ما شيوعيا أو اشتراكيا، كما أنا لست ضد النظام الملكي من ناحية المبدأ، أو « أميرا بالخطأ ».
ومع ذلك، فأنا على استعداد لنفض يدي من الملكية الشريفة كلها إذا اكتملت لدي القـناعة أنها لم تعد ذات منفعة للمغاربة، وأنها تقف عائقا أمام المضيّ نحو الديمقراطية والازدهار وسيادة القانون. وهذا السؤال هو بالضبط موضوع هذا الكتاب. لقد أصبحت أنا متأكدا أنه يجب تفكيك المخزن، تلك السلطة شبه التقليدية التي تجمع بين عيوب « الاستبداد الشرقي » وطغيان البيروقراطية الموروثة من الإدارة الاستعمارية.
أنا لست جمهوريا بالمطلق ولا ملكيا بالمطلق، وباستطاعتي أن أعيش بسهولة في ظل جمهورية مغربية إذا بدا أن هذا النوع من النظام هو أفضل خيار لبلادي، وحتى لو أن الجمهورية لم تكن أفضل اختيار، فإن إعادة بناء الملكية على أسس جديدة وسليمة أمر ضروري. ولذلك، فإن نقطة البداية عندي هي هذا السؤال: ماذا الذي مازال يمكن للنظام الملكي كشكل من أشكال الحكم أن يحققه للمغرب؟ هل باستطاعته أن ينقذ شيئا ما أو يستنبت شيئا ما أحسن من نظام آخر؟ لا أرى أي مأساة في سياق تاريخي معين أن يكون الجواب في غير صالح النظام الملكي، لكنني في الوقت عينه لا أمتنع عن التفكير في احتمال أن تكون الملكية مفيدة للمغرب فيما بعد الربيع العربي، حيث تلعب دورا تاريخيا لإرساء الديمقراطية بدون عنف وبأقل كلفة بشرية. هذا هو الخيار الجوهري الذي أطمح لمناقشته في هذا الكتاب. كيف ذلك؟ سوف أبسط هنا ما أعتبره حقيقتي الكاملة كإنسان وكأمير، دفعة واحدة. ويبقى القرار الأخير للقارئ الكريم، يأخذ هذه الحقيقة جزئيا أو كليا، مادمت قد وفيّت بنصيبي من التزامات عقد الثقة المبرم بيننا.
ولكي أكون صريحا من الوهلة الأولى، فأنا لا أطلب من أي شخص (سواء أكان مغربيا أم صديقا للمغرب) أن يجتهد أو يلتزم دفاعا عن مصلحتي، ولكن فقط، أن يلتزم من أجل التغيير الإيجابي في المغرب. أنا لست مرشحا لأي منصب أو موقع ولا أسعى إلى أن أستولي على منصب أو موقع أي أحد. في الوقت عينِه لا أمنع نفسي من أي طموح لخدمة بلدي. وإذا أراد المغرب أن يصبح « مملكة للجميع »، فسوف أكون بجانبه. ليست هذه هي أول مرة أتناول فيها الكلمة في الفضاء العام. فخلال حكم الحسن الثاني، الذي كان ملكا عظيما، ولكن لم يكن يستسيغ من يجادله أو ينازعه الرأي، غامرتُ بالإفصاح عن آرائي ومواقفي، وكما سنرى، فقد دفعت الثمن بأشكال مختلفة، ولو أنني لا أريد بالطبع أن أقارن نفسي بضحايا « سنوات الرصاص »، الذين طحنتهم ماكينة الانتهاكات الجسيمة.
لقد صقلتْ معارضتي للحسن الثاني شخصيتي، ولذلك، فأنا ممتن له. كما أني أعترف بكونه استطاع تغيير مسار حكمه في النهاية، بعد سنوات عديدة قضاها في السلطة المطلقة محاطا بأفراد الحاشية المتملقين. لقد مارس الحسن الثاني الاستبداد لمدة طويلة، لكنه في نهاية المطاف توجه نحو الانفتاح لما أدرك أن العالم قد تغير بعد الحرب الباردة، وهذا يبرهن على أنه كان ملكا كبيرا.