الإدريسي: كان بوتفليقة يحضر باستمرار لقاءات السفارة المغربية

29 أغسطس 2019 - 23:20
كيف عشت دور الدبلوماسية الثقافية لسفارات دول عربية في الجزائر وأنت تمارس مأمورية المستشار الثقافي 
للمغرب؟
أعتقد بأن الدور الحضاري لأقطار الشرق الأوسط وشمال إفريقيا غير متجانس بما فيه الكفاية بالنسبة لمكانة الثقافة لديها. إلاّ أن هذه الأقطار كانت خاضعة لسياق تاريخي مشترك، لم يقدر أصحابه على تجاوز ثقافة “إنسان ما بعد الموحدين” حسب تعبير مالك بن نبي. وقد انعكس ذلك على الدبلوماسية الثقافية؛ فمصر كانت لها الريادة في هذه الدبلوماسية، بفضل سمعة مثقفيها، الموروثة في قاعدتها الكبرى، من عهد ما قبل استيلاء الجيش على سدة الحكم سنة 1952. وكان المركز الثقافي المصري في الجزائر عنوان تلك الدبلوماسية. أما مكوناتها فكانت تتألف من المفكرين والكتاب وإصداراتهم، ومن الفنانين، والأفلام، والمسلسلات التلفزيونية… كل ذلك ساهم في الترويج لمكانة مصر في الجزائر وغير الجزائر. وتأتي بعد مصر لبنان بفضل دُور الطباعة والنشر اللبنانية، وبفضل أدبائه ومفكريه المحليين والدوليين، وبقيمة الدوريات الأدبية والفكرية التي كانت تغزو الساحة الجزائرية، وبدرجة أقل يحضر إشعاع سوريا والعراق الثقافي، وبخاصة في مجال استقبال معاهدهما الجامعية للبعثات الطلابية. وكان للسعودية مكتب ثقافي، وليس مركزا ثقافيا، مهمته الأولى هي توزيع كتب النِّحلة الوهابية ومرجعياتها المتمثلة في مذهب أحمد بن حنبل، وفي ذراعه القوي أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، وتقديم المنح لطالبي الدراسة في السعودية؛ فالأهم في الدبلوماسية الثقافية السعودية، إذن، هو نشر السلفية على المنهج
الوهابي.
– وماذا عن المغرب؟
أما المغرب، وبعد انتهاء الصلاحية التاريخية لجامع القرويين، الذي كان قبلة لطلاب العلوم الإسلامية واللغة العربية القادمين من غرب الجزائر بخاصة، تغيرت القبلة بتغير توجهات التعليم المعاصر؛ فالمتعلمون بالعربية أصبحت قبلتهم في المشرق، والمتعلمون بالفرنسية أصبحت قبلتهم في الغرب، وفي فرنسا بالذات. ثم يبدو أن المغرب قد اكتفى في جوانب ثقافية كثيرة بدور الزبون وليس بدور الصانع، وبدور التابع وليس بدور الجاذب. إذا استثنينا ما قامت به بعض الفنون كفن الملحون، وفن الالتزام بقضايا المجتمع، المستند في بعض جوانبه بالاستنجاد بالسلام الصوفي. وتمثلت تلك الفنون بصفة خاصة في فرق “ناس الغيوان” و”جيل جيلالة” و”لمشاهب”، وغيرها، التي اكتسحت كذلك الساحة الجزائرية، على الرغم من المقاطعة الرسمية لكل ما هو مغربي، والعكس كان صحيحا كذلك. إضافة إلى الفن الشعبي بصفة عامة. أما الفكر المغربي فكان يغلب عليه طابع نقل وتأمل وتحليل ما أنتجه آخرون في المشرق أو في الغرب.
وكنت أعتقد بأن فكرة مشروع إحداث المركز الثقافي في الجزائر ستسعى إلى المساهمة في تفعيل الدبلوماسية الثقافية المغربية بصفة أكثر، وتجاوز مزاجيات الدبلوماسية السياسية التي ألحقت كثيرا من الضرر بالعلاقات الثقافية بين البلدين. الأمر الذي جعل بعض الظرفاء ينعتون تلك العلاقة بقولهم “سنوات من الخصام والقطيعة في مقابل شهور من الوفاق والوئام”.
من المعروف أن من عادة بعض السفراء تنظيم جلسات ولقاءات ثقافية في إقاماتهم، هل كان سفراء المغرب من بينهم؟
فعلا، أن من صميم العمل الدبلوماسي الرسمي تنظيم:
 حفلات شاي أو عشاء بين السفراء المعتمدين أو نوابهم بقصد إغناء مداركهم بما يجري في بلد الاعتماد، وتوسيع دائرة معطياتهم، والاطلاع على التطورات الحاصلة في العالم، من زوايا متعددة.
 لقاءات مع شخصيات لها وزنها السياسي في بلد الإقامة، أو لها حضور ما في صوغ رؤى التوجهات السياسة العامة في بلدهم. وأتذكر أن من بين من كان يحضر هذه اللقاءات باستمرار هو عبد العزيز بوتفليقة.
 مآدب عشاء لصحافيين، وفاعلين مدنيين، ورجال مال واقتصاد، قصد إطلاعهم على ما يجري في المغرب من تطور سياسي واقتصادي واجتماعي، ومن توفر فرص للاستثمار، أو تقديم إجابات وتوضيحات عما يطرح من استفسارات أو أسئلة.
أما اهتمامات سفراء أقطار الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فكان إداريا؛ باستثناء سفير مصر في تونس مثلا، الذي كان ينظم لقاء ثقافيا مفتوحا في الجمعة الأخيرة من كل شهر، وبدون تحديد أي جدول للقاء. واعتقد بأن سفير مصر كان يعكس تقاليد مصرية خاصة بالصالونات الثقافية. ولم يكن هذا التقليد جزءا من الجسم الثقافي المغربي.
عشت في الجزائر انطلاق الأحداث المعروفة بالعشرية الحمراء أو السوداء، ما هي أهم الصور التي بقيت عالقة بذاكرتك؟
إذا ربطنا الأشياء بمرجعياتها فإن انتفاضة غالبية الجزائريين على نظام حكمهم باسم “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” كانت بمثابة تأكيد السير على خطى السلف المعاصر؛ فحزب الشعب الجزائري الذي تأسس سنة 1937 مارس القطيعة مع المنادين بالاندماج مع فرنسا ونجح شعبيا إلى أبعد حد. ومارس حزب جبهة التحرير الوطني الذي ظهر سنة 1954 القطيعة مع كل الأحزاب التي كانت تؤمن بالحل السياسي مع فرنسا، وقد تحقق له ذلك، على عكس ما وقع في تونس والمغرب. وحين ظهرت الجبهة الإسلامية للإنقاذ سنة 1989 حاولت أن تمارس نفس القطيعة مع كل ما حدث سياسيا واجتماعيا منذ استقلال الجزائر. لكن الزمن السياسي لسلطات الدولة الجزائرية كان غير الزمن السياسي في عهد الدولة الاستعمارية. فكانت النتيجة أن تم حل حزب جبهة الإنقاذ سنة 1992، ومواجهة الجيش لأنصارها في حرب أهلية، تجاوز عدد ضحاياها 200 ألف قتيل، باعتراف رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، وأكثر من 20 ألف مفقود. وعاشت الجزائر ما يعرف في الأدبيات الجزائرية بالعشرية السوداء أو الحمراء. تلك صورة يصعب على كل متتبع للتاريخ السياسي للجزائر المستقلة أن يتجاوزها بسهولة. وكان أغلب الملاحظين الدبلوماسيين يستحضرونها في
تحليلهم لمحددات السياسة الجزائرية ومآلاتها كذلك.
– وبماذا احتفظت أنت من تلك الأحداث؟
كنت أعيش الترويع بجميع فهومه وأبعاده. ولا زلت أشعر بضرورة الالتحاق بالبيت قبل الساعة التاسعة ليلا إلى الآن، على الرغم من أنني غادرت الجزائر في 1 يناير 1997. وبعد مضي أكثر من ربع قرن من الزمن على تلك الأحداث المرعبة فإن صورها لم تمح من ذاكرتي. ولا زالت رائحة الموت التي كنت أشمها في كل لحظة من خلال الانفجارات القاتلة تملأ مشاعري، والتي كان دويها يصل مكاتب السفارة الواقعة في حي الكَولف غير البعيد عن مقر رئاسة الجمهورية. كما كانت أصداء الرؤوس المعلقة في الشوارع تزيد في درجة الرعب، إضافة إلى أن عبارة “مَن يقتل مَن” كانت تُدخل الناس في متاهات بدون مخارج مقنعة.
وبالمناسبة يعجبني كثيرا شعار “إني أتذكر” الذي تتخذه بعض الدول، أو الجماعات البشرية للتعبير عن طي صفحة أليمة من حاضرها، لكن دون أن تمزقها أو تمحو مضمونها
شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.