استيقظ العالم، مستهل الأسبوع الماضي، على خبر مروع، وهو احتراق رئة العالم! الخبر الذي فاجأ الكثير منالبرازيليين أنفسهم، ممن لم يعرفوا ولم يسمعوا قط بالحرائق التي لا تهدد الحياة البرية وحسب، بما فيها منالحيوانات الاستوائية، بل حتى حياة البشر أيضا.
ما إن انتشر الخبر عالميا، حتى طرح السؤال التالي: كيف تعامل الحاكمون الجدد مع الوضع؟
فبعد التغيير الجذري في الإيديولوجيا الحكومية؛ إن لم أقل نظام الحكم في البرازيل! إذ تغيرت الأولويات الحكوميةوكذا سياسة الدولة البيئة، التي لم تعد من أولويات الرئيس الحالي، زادت متاعب الهنود الذين لا يريدون الاندماج فيالمجتمع الحضاري هنا في البرازيل، وهذا كان له يد في اشتعال «حرائق» كثيرة.
فقد أكد الرئيس، وفي العديد من المرات، أنه سيقدم الدعم للفلاحين الكبار الذين يريدون استغلال أراضي الهنود، تلكالأراضي التي كانت محرمة في عهد الحكومات السابقة. تصريحات الرئيس، وإقدامه على تنحية مدير أكبر جهازوصي على القطاع البيئي في البلد، أدت إلى اشتعال حرب بين الفلاحين وبعض القبائل الأصلية (الهنود الحمر)، ماأدى إلى مقتل هندي برصاص أحد الفلاحين، ومازالت الحرب مشتعلة بين هذه القبائل والفلاحين.
تصرف الحكومة البرازيلية جعل العديد من الدول تعبر عن غضبها؛ مثل ألمانيا والنرويج، الدولتين اللتين قطعتا الدعمالمقدم للمنظمات الحكومية، ما أدى إلى نقص في الموارد البشرية والمادية، مع عجز الجهات المعنية عن تأمين هذهالموارد.
الحزب الحاكم في البرازيل، ومؤيدوه، وهم كثر، يعتبرون تصريحات بعض الرؤساء الأجانب نوعا من التدخل فيالشأن الداخلي لبلدهم. ليس هذا فحسب، بل إن التيار اليميني يعتبر أن بعض الدول تحاول استعمال الأمازونذريعة لاستعمار جديد، مؤكدين أن الدعم الذي كانت تقدمه ألمانيا والنرويج، مثلا، كان بمثابة محاولة لشراء الأمازون. الرئيس بدوره انتقد بشدة كل هذه الدول عبر تويتر، حيث أكد أن النرويج تقتل الدلافين، فيما أحرقت ألمانيا كل غاباتهامن أجل الصناعة. بعد هذا كله، فإن التداعيات الدولية لحرائق الأمازون قد يدفع ثمنها الاقتصاد البرازيلي باهظا،وهو الذي تمكن متأخرا من بعض الانتعاش، إثر التوقيع على اتفاق التبادل التجاري الحر ميركوسول مع الاتحادالأوروبي، واحتفى به الحزب الحاكم ومعه الرئيس بولسونارو، بالرغم من أن المفاوضات دامت أزيد من عشرين عاما.
لكن، وضد مجريات الأمور، وبسبب الأزمة في الأمازون، أصبح هذا الاتفاق مهددا، خاصة أنه لم يخضع لتصويتالدول الأعضاء بعد. وما زاد من مخاوف الاقتصاديين البرازيليين، دعوة بعض الدول، مثل فنلندا، إلى مقاطعةالمنتجات البرازيلية، ما قد يؤدي إلى كارثة اقتصادية أخرى.
إن ما يخشاه العالم اليوم هو عدد الحرائق الذي ارتفع إلى أزيد من 35%، والتي تعتبر أسوأ من تلك التي وقعت سنة2010، حسب المركز الوطني للدراسة والأبحاث. وتُظهر الصور التي نشرتها وكالة ناسا انتشار سحابة دخانية كثيفةعلى ولايات أمازون، اسومات، جروسو وروندونيا، ما يؤكد أن الدخان ينتقل إلى جزء كبير من وسط أمريكا الجنوبية.
لقد كانت الحرائق، ولاتزال، مشكلة الأمازون الكبرى، بالإضافة إلى المشكلات التي تسببها الشركات الأوروبية فيمحيط الغابة، وكذا في بعض المناطق الأخرى، غير أنها أخذت، هذه المرة، بعدا أكبر بسبب سياسة الرئيس الحالي،الذي يبدو أن له الكثير من الأعداء والمنتقدين داخليا وخارجيا، خاصة من جانب الاتحاد الأوروبي، الذي أعلى صوتهبالانتقاد عوض تقديم الدعم للقضاء على الحرائق، علما أن معظم شركات المناجم الموجودة في هذه المناطق تعملبرأسمال أوروبي.