ما الذي يتوجب على الرئيس التونسي المقبل أن يباشره كأولوية ملحة؟
بادئ ذي بدء، يجب الأخذ بعين الاعتبار أننا لسنا أمام نظام رئاسي. أعتقد أن واجبي سيكون إنشاء مؤسسات تداولية في العديد من المجالات، مُشَكلة من خبراء، ينهمكون في دراسة واقتراح برنامج لمستقبل البلد. من جهة، تعاني تونس من مشاكل اقتصادية واجتماعية خطيرة، وأحد الأسباب هو أن الحكومات المتعاقبة بعد الثورة كانت تتفرغ لتدبير اليومي فقط. ولا أحد يفكر في المدى البعيد. من جهة أخرى، يكمن المشكل، أيضا، في قانون الانتخابات المتعلق بالانتخابات التشريعية الذي لا يفرز أغلبيات سياسية واضحة، وهذا يقود إلى اللاستقرار الحكومي. تجدر الإشارة إلى أنه منذ 2011، كان لدينا 270 وزيرا…
من بين المهام الرئيسية لرئيس الجمهورية هناك توجيه السياسة الخارجية؟ ما هو تصوركم؟
لدينا شريك كبير في الشمال، والذي هو القارة الأوروبية، لكن لدينا آخر مهم، أيضا، هو إفريقيا. أريد أن تلعب تونس دور الجسر بين أوروبا وإفريقيا التي ستكون قارة القرن الواحد والعشرين.
ما الدور الذي يتوجب أن تلعبه تونس تجاه جيرانها ليبيا والجزائر؟
دورها تسهيل الحوار بين مختلف الأطراف دون الانحياز إلى أي طرف. هدفنا أن ينعم جيراننا بالاستقرار، لكن لا نسعى إلى إعطاء الدروس لهما أو أي شيء من هذا القبيل. نموذجنا غير قابل للتصدير إلى المنطقة. يجب الإقرار أن الديمقراطية ثمرة توازن القوى، ومثلا في الجزائر القوى ليست شبيهة بتلك الموجودة هنا. هناك ستكون ديمقراطية « على المنوال الجزائري ». نحن نشق طريقنا بفضل الحوار بين الإسلاميين واللإسلاميين، لأنه ليس هناك جيش يتدخل في العملية السياسية.
هل يمكن لحزب النهضة أن يكون نموذجا بالنسبة للأحزاب الإسلامية في المنطقة؟
نعم، يُتوجب أن يكون كذلك. لكن يجب التأكيد على أن البلد ليس هو الحزب. يجب إدخال في عقول هذه الأحزاب (الإسلامية) أنه أن تكون إسلاميا لا يتعارض مع أن تكون ديمقراطيا، وأن الحكومات ليست هناك من أجل إجبار الناس على ارتداء لباس معين. يجب احترام الفضاء الخاص؛ وفي المقابل، الانكباب على الاهتمام بمعالجة الواقع الاقتصادي والاجتماعي. النهضة يسير في طريق أن يصبح حزبا محافظا، والتخلي عن صفة الإسلامي. أكيد، تطور الحزب بطيء جدا، لكنه مهم جدا إذا ما نظرنا 40 حولا إلى الوراء.
هناك من يتخوف من أن يتكرر في هذه الانتخابات الرئاسية التونسية نفس السيناريو المصري مع انتخاب الراحل محمد مرسي؟
لماذا هذا الخلط الملغم بين نظامين وواقعين مختلفين تماما؟ كانت نهاية مرسي سيئة، لأنه حاول ترسيخ نظام مدني في بلد يحكمه العسكر منذ 1952. في الحقيقة، كان يتعلق الأمر بمواجهة بين نظام مدني وآخر عسكري. لا علاقة لذلك كله بالإسلام، رغم أن البعض قدمه هكذا. كان مرسي يرغب في عزل العسكر، لاسيما من المجال الاقتصاد الذي يسيطر على 45 في المائة منه. لهذا وقعت المواجهة بينهما.
ما رأيك في اعتقال المرشح الرئاسي نبيل قروي (يقال إنه كان يتصدر استطلاعات الرأي)؟
أقلقني كثيرا الخبر. كنت أول القائلين إنني مع احترام القرارات القضائية، لكن التداخل بين المجالين السياسي والقضائي شيء خطير. يقلقني ما قد تؤول إليه الأمور.
كيف كان مسار اختيارك داخل حزب النهضة للتنافس على الرئاسة؟
لم يسبق أن قدمت ترشحي. بل أكثر من ذلك، لم أعد منذ ثلاث سنوات أشغل أي منصب داخل هيئات الحزب. بكل بساطة اتصل بي الأمين العام، رشيد الغنوشي، ليبلغني أنه وقع علي الاختيار من قبل مجلس الشورى وبأغلبية كبيرة. وهذا شرف بالنسبة إلي ويعبر، في الوقت ذاته، على أن هذا الحزب ديمقراطي، لأنه لم يجبرن على تغيير أي من مواقفي رغم أنهم يعلمون أنني أختلف مع القيادة في الكثير من الأحايين.
في ما تتجسد هذه الاختلافات مع القيادة عادة؟ تُعتبرون من الجناح المعتدل داخل الحزب؟
لا أعرف جيدا في ما يتجلى هذا الذي تسميه الجناح المعتدل… كانت لي اختلافات كثيرة معهم (من هم في القيادة). مثلا، في 2011، كنت أعتقد أننا غير جاهزين للحكم. كما أنه منذ أواخر السبعينات، عندما كان ينادي البعض بتطبيق الشريعة، كنت أجادل بالحجة أن تطبيق الشريعة في القرن الـ21 هو بكل بساطة إقامة دولة الحق والقانون، بالاستناد على التشريعات المدونة ودستور له سلطة مدنية تسمح للفرد بالتطور.
هناك من يرى أن حزب النهضة لا يريد الفوز بالانتخابات الرئاسية، بل عينه على التشريعية…
ترجمة: توفيق السليماني