أوسي موح لحسن – صحافي
انتابني ألم كبير حين تلقيت نبأ اعتقال زميلتنا هاجر الريسوني. كان أشبه بصعقة شلت دواخلي، وزادت من عمق جراح لم تندمل منذ اعتقال زملاء لي في المهنة، بل ووضعهم وراء القضبان اتفقنا أو اختلفنا مع أفكارهم.
عرفتها منذ سنوات بيد كانت طالبة تشق طريقها في الجامعة، قبل أن تستهويها مهنة صاحبة الجلالة. لم تنكسر تلك الطيبة بعد مقتل والدها رغم ما خلفه فراقه من أسى وحزن. فحملت على عاتقها هم الدفاع عن المظلومين من أبناء وطنها. وفي فترة وجيزة، غدت هاجر قلما متميزا بحس مهني رفيع.
وبعد الواقعة (أن كانت هناك فعلا واقعة مادية أي بركنها المادي المعنوي)، وبعيدا عن قانون متجاوز..؟!، فعلى المحافظين في الأحزاب والدولة أن يقتنعوا أن الإجهاض ليس جريمة، بل حق للمرأة كانت متزوجة أم لا، وهو حق يوازيه الحق في الحياة، كما العلاقة بين بالغين لا يمكن إلا أن تدرج ضمن قائمة الحريات الفردية. تلك قضايا شائكة ولا يقبلها مجتمع أريد له أن يعيش التخلف الفكري، لكن تجاوزها حتمية لا محيدة عنها لتفادي التراشق بالأخلاق المؤدجلة.
لا بد من التأكيد أننا معشر الصحافيين سواسية مع كل المواطنين أمام القانون، لكن لسنا أبدا ظروف ما (…) على نفس قدم المساواة أمامه، خاصة حين نشك أن الأمر قد يتعلق بالانتقام بسلاح القانون. الصحفي دوما هو عدو السياسي والاقتصادي، وفي صراع دوما مع الدولة كلما انتصر لقيم كونية وفي مصلحة الوطن وأن لا ترتضيها السلطة، و كلما دافع عن قيم الحداثة و دولة الحق والقانون التي قد لا يقتسمها مع الفاعل السياسي، أو كلما سخر قلمه لمحاربة الفساد والفاسدين وكاشفا لانحرافات السلطة وتجاوزات بعض عناصر أجهزتها.
نعم لسنا دوما سواسية مع المواطن العادي أمام القانون. فممتهنو صنعة صاحبة الجلالة قد يراد بمتابعاتهم نزع الهيبة عن قلمهم خاصة في فترات الردة والنكوصية، ليس بالضرورة تلك الإكراهات المرتبطة بالدولة والسلطة، بل أيضا أخرى متعلقة بجزء هام من أفكار تيارات المجتمع المحافظ.
قلنا بالأمس إن حكومة بنكيران تماهت فهم عتيق للقانون، وجعلتنا نحن معشر الصحافيين في حالة سراح مؤقت، وقد نجد أنفسنا يوما ليس فقط وراء قضبان الرقيب بل داخل تلك الزنازين التي يقبع فيها كل من حمل معنا قلم مهنة تنهش كل يوم أبناءها وبناتها.
كم نحن بحاجة إلى زملاء يصيحون كديكة الفجر لنستفيق من سباتنا، لكن دون أن يفقدنا صياحنا حريتنا كما فقدها الزميل حميد المهداوي، وكم نحن بحاجة إلى إجهاض الفقر والهشاشة الذي ينخر جسد بنات وأبناء وطننا وإعادة الأمور إلى جادة صوابها لنستعيد تلك الثقة المفقودة في المؤسسات، وحتى لا يختلط علينا إجهاض المرأة بإجهاض القلم، كما اختلط علينا « هاجر الإجهاض » و »إجهاض هاجر »؟!
فرجاء لا تجهضوا أحلامنا كما أجهض حلم هاجر في مستقبل واعد في مهنة يعلم الله مصيرها.. واللهم لا شماتة مرة أخرى.