عن عمر يناهز 86 سنة، توفي الرئيس الفرنسي الأسبق « جاك شيراك »، وفق ما أعلنته عائته، صباح اليوم الخميس، لتطوى بذلك صفحة أكثر الرؤساء الفرنسيين احتفاظا بالشعبية في أوساط مواطنيه، التي استمرت لسنين طويلة، بعد مغادرته للمنصب، كما ربطته علاقة وثيقة بالمغرب، الذي عشقه حتى النخاع.
ما قبل السياسة
ولد جاك شيراك، في 29 نونبر 1932 في الحي الخامس في باريس، حيث عاش وسط أسرة ميسورة الحال. وبعد إكماله لتعليمه الأساسي وحصوله على شهادة البكالوريا، انتقل شيراك إلى الدراسة في المدرسة الوطنية للإدارة، وحصل على دبلوم من معهد الدراسات السياسية في باريس، ودبلوم آخر من « سامر سكول » في جامعة هارفرد الأمريكية.
تدرج في المناصب.. إلى الرئاسة
شغل « جاك شيراك » مهام انتدابية ومناصب حكومية عديدة، حيث عمل عام 1962 مكلفا بمهام لدى مكتب رئيس الوزراء جورج بومبيدو، ثم مستشارا مقررا في ديوان المحاسبة، وتولى، بين عامي 1967-1968، منصب وزير دولة للشؤون الاجتماعية، مكلف بمشكلات التشغي، ثم عين بعدها وزيرا للدولة لشؤون الاقتصاد والمالية في أربع حكومات، فوزيرا مفوضا لشؤون العلاقات مع البرلمان في حكومة « جاك شابان ديلماس ».
وعام 1972، شغل منصب وزير الزراعة والتنمية الريفية في حكومة « بيير مسمير »، وفي عام 1973، كلف في وزارة الزراعة والتنمية القروية، ولاحقا وزارة الداخلية في الحكومة نفسها عين في 27 ماي 1974 رئيساً للوزراء إلى أن قدم استقالة حكومته في 25 غشت 1976.
وتولى « شيراك » من جديد رئاسة الوزراء من عام 1986 إلى 1988، قبل أن يعود إلى منصب أرفع بعدما نجح في الوصول إلى رئاسة الجمهورية، في 17ماي 1995، حيث ترافق هذا النجاح مع إنجازاتٍ سياسيةٍ كبيرة حققت لـ »شيراك » شهرةً واسعة، وشعبية كبيرة.
وفي، عام 2002، خاض شيراك جولة انتخابية جديدة لرئاسة الجمهورية، وفاز فيها بنسبة ساحقة، بلغت 82 في المائة من مجمل الأصوات.
مواقفه من القضية الوطنية للمغرب
كان شيراك، إبان، وبعد حكمه، واحدا من أبرز داعمي قضية الوحدة الترابية للمملكة، ما جعله ينال قدرا كبيرا من الاحترام، والتقدير لدى الملك الحسن الثاني، وعموم الطبقة السياسية في المغرب، حيث يوصف بأنه رسم خطا واضحا للسياسة الفرنسية في دعم الوحدة الوطنية، والتربية للمغرب، لاسيما من خلال مواقف بلاده في مجلس الأمن والأمم المتحدة.
خروج عن صف أمريكا
تميز « جاك شيراك » بقوة مواقفه السياسية، وناصر عددا من القضايا العربية بعيدا عن سياسات الأمريكيين في المنطقة، ومن أبرز مواقفه رفضه مشروع الرئيس الأمريكي « جورج بوش »، الابن لغزو العراق، الأمر الذي جعله هدفا لحملات إعلامية قوية في وسائل الإعلام البريطانية، والأمريكية.
صداقته الشخصية مع ملوك المغرب وتعلقه بالمملكة
منذ توليه الحكم، ارتبط الرئيس الفرنسي الراحل « جاك شيراك » بعلاقة صداقة مميزة مع الملك الراحل الحسن الثاني، وصفت بأنها كانت « نوعا من التواصل الفكري والثقافي مع الملك الراحل، الذي كان معروفا بقدرته الفائقة على معرفة الحضارة الفرنسية، وسلوكها الدبلوماسي ».
بعد وفاة الحسن الثاني أياما قليلة بعد رجوعه من فرنسا والتقائه بشيراك، سيحتفظ الرئيس الراحل بنفس مستوى العلاقات مع الملك محمد السادس الذي جعل له مكانة وتقديرا خاصين، كما أصبح ضيفا دائما للمملكة، حتى أنه سبق وأن منح قصر أكادير للإقامة فيه.
وتعلق قلب الرئيس الفرنسي الراحل وزوجته، برناديت، بمدينتي مراكش وتارودانت، حيث كان دائم التردد عليهما، لاسيما خلال احتفالات رأس السنة، التي لم يفوت إحياء أي منها تقريبا خارج المملكة.
ما بعد الرئاسة: نشاط مستمر ومتاعب قضائية
بعيد مغادرته قصر الإليزيه تحدثت الصحافة الفرنسية عن احتمال مثوله أمام القضاء بتهمة فساد مالي، وهي التهمة، التي تم تكذيبها. لم يتوقف نشاطه بعد مغادرته الرئاسة 17 ماي 2007، حيث أسس، في يونيو 2008، مؤسسة شيراك من أجل التنمية، المعنية بالتنمية المستدامة، والحوار بين الثقافات.
وفتح تحقيق في اتهامات « شيراك » بالفساد المالي، وأحيل الموضوع إلى المحكمة، وصدر في حقه يوم 15 دجنبر 2011 حكما بالحبس سنتين مع وقف التنفيذ بعد إدانته باستغلال ثقة الشعب، والفساد، وتبديد المال العام.
وكتب جاك شيراك حوالي ستة كتب، منها « خطاب لفرنسا في لحظة الاختيار »، و »بصيص من الأمل: تأملات في المساء من أجل الصباح »، و »فرنسا للجميع »، بالإضافة إلى كتاب « كل خطوة ينبغي أن تكون هدفا »، وهو عبارة عن سيرة ذاتية، تحدث فيه عن أصول عائلته، وحياته الاجتماعية، والسياسية.

