قضية هاجر.. بنجلون: أيها الرقباء

05/10/2019 - 21:00
قضية هاجر.. بنجلون: أيها الرقباء

تحوّلت قضية الزميلة الصحافية هاجر الريسوني، المعتقلة منذ متم شهر غشت الماضي، إلى موضوع تتناوله كبريات الصحف العالمية ويناقشه كبار المثقفين، وهو ما أنتج اختلافات في التقدير ومواجهات فكرية، لعل أحد أبرز نماذجها هذه المواجهة المباشرة بين الأكاديمي السوسيولوجي والروائي محمد الناجي، والمثقف المغربي المقيم في الديار الفرنسية، الطاهر بنجلون. هذا الأخير الذي ساند عريضة «خارجون عن القانون، والتي بادر أصاحبها إلى المطالبة بتغيير القوانين التي تقيد الحريات الفردية، باعتبارها سببا في اعتقال ومحاكمة هاجر الريسوني، نشر مقالا وصف فيه المعارضين لهذه الخطوة بـ»الرقباء» والمنافقين الذين يعملون على إخفاء نفاق المجتمع. فيما اعتبر محمد الناجي في مقال سابق أن هذه المبادرة ترمي إلى تبييض صفحة السلطة وتحميل مسؤولية ما يقع للمجتمع باعتباره محافظا ومنافقا، ثم عاد في هذا المقال ليطالب بنجلون بالصمت لأن ما يقوله مجرد هروب من الخصم الحقيقي، أي من يضيّق على الحريات العامة ويخرق القوانين ويسلب حرية هاجر الريسوني دون وجه حق. الأول يدعو إلى تغيير القوانين»المنافقة» والثاني يعتبر ذلك هروبا من مواجهة الخصم الحقيقي.

 

«أنتم؛ أيها الرقباء، حماة الفضيلة، علماء اللاشيء، المنافقون العضويون، مغتصبو الورع والسلامة الجسدية والمعنوية للنساء، المؤذنون في الساحات العمومية؛ اِفتحوا أعينكم، افتحوا أعينكم جيدا وانظروا بإمعان إلى المجتمع الذي تنتمون إليه، ولاحظوا ما يجري فيه يوميا وفي سرية، في تَخَفٍّ، وأحيانا أمام الملأ. لا داعي للتظاهر بالشعور بالعار، وللصراخ، والعويل. إنها الحياة، إنه المغرب.

إن رجال ونساء هذا البلد راشدون، ومسؤولون؛ وإذا ما حصل وأحبوا أو فقط أن مارسوا الجنس خارج إطار الزواج، وخارج النَّيرِ العائلي؛ فإنهم بذلك لا يسيئون لأحد؛ بما أنهم متوافقون فيما بينهم على ذلك وربما متحابون. أه.. الحب؛ هذا الشيء الغريب الذي لا تعرفونه إلا من خلال المسلسلات والأفلام؛ الحب؛ هذا العار الذي يتهدد شرف البنت، والذي يؤدي بامرأة تبلغ من العمر أقل من ثلاثين سنة إلى السجن لأنها ليست متزوجة. يا أيها الرقباء، المنافقون والدعاة إلى مجتمع نظيف، ونقي بالكامل؛ ليس فيه أي شيء يمكنه التجاوز، وفيه الراشدون الفساق يستغلون الأطفال بدون أن ينبس أحد ببنت شفة، أيها المنادون بالعفة والورع؛ هل تعلمون أن الدعارة تبدأ عند القاصرين، وأن الجميع يعرف ذلك ويلوذ بالصمت، هل تعلمون أن الممارسة الجنسية على الأطفال أمر شائع؟

توقفوا عن أن تكونوا ملاحظين خسيسين، واتركوا الرجال والنساء الراشدين يتحابون كما يحلو لهم، واهتموا بما يخصكم أنتم فقط من الصحة الجسدية والمعنوية، افعلوا الخير واتركوا الآخرين وشأنهم. فلا أحد قد كلفكم بفعل الخير بمعنى الفضيلة. اتركوا الفضيلة في سلام؛ فهي ليست في حاجة إلى توفير الحماية لها، ولا للانتقام لها.

إن تحرير الأخلاق قد حل مع العهد الجديد الذي برزت معه بعض حداثة في هذا المغرب المتعدد والمتشابه، في هذا البلد حيث الإسلام هو أكثر من دين، حيث إسلام آبائنا وأجدادنا كان مسالما وهادئا، حيث كانت النساء تتحجبن بالكاد ولم تكنَّ تسعين إلى تغطية جميع الجسم وراء حجاب أسود، « نقاب » مستورد من اليمن أو من باكستان. وإلا؛ فما معنى هذه العادة المتمثلة في مراقبة جسد المرأة بينما نساء أخريات في أماكن أخرى من العالم؛ فضليات بغير صرامة، وبفضيلة أقل وضوحا، يلبسن على الموضة الغربية، ويدخن، ويشربن، ويصرحن بأنهن غير مسؤولات أمام أحد؟ هؤلاء النسوة الحُرَّات، والشجاعات، والوحيدات في غالب الأحيان؛ يناضلن كل يوم حتى لا تستمروا في اعتبارهن باغيات. إنهن يمارسن حياتهن بكل جرأة وكرامة؛ فيما أنتم تنظرون إليهن كما لو كن حاملات لوباء الطاعون. إنهن يعملن ويشققن طريقهن على الرغم من كل التراجعات، ومن كل التهديدات، وعلى الرغم من دنو الظلامية وزحفها.

هذا المغرب حيث شجاعة وإصرار هؤلاء النسوة يصطدم بتفاهة أولئك الذين يسهرون على حماية الفضيلة؛ فضيلة مظاهر؛ بما أنه يتم القول؛ أو الهمس؛ إنه يمكنكم فعل كل شيء ولكن بشرط التزام السرية التامة. افعلوا ما تشاؤون؛ ولكن في الخفاء حتى لا يأتي من يعاقبكم! إن يقظتكم الفاضلة تولّد النفاق والبؤس. فكم من النساء المغتصَبات يلجأن للإجهاض السري في ظروف خطيرة! قد يكن ما بين 600 و800 كل يوم. وفي هذا الوقت؛ ما زال البرلمان الذي يسيطر عليه الإسلاميون يرفض التصويت على قانون يتيح الإجهاض في بعض الحالات.

أنتم أيها الظلاميون؛ إنكم تضعون مغرب الحداثة والتسامح رهينة. أنتم ليس لكم أي حق في أن تتدخلوا في الحياة الخاصة لرجال ونساء راشدين ومتوافقين.

فلتُفتح الأعين والضمائر على الواقع، المركب، والمتنوع، والحي لبلد يتوق إلى الحرية وإلى بروز وانبثاق الفرد؛ هذا الكائن الفريد والمفرد؛ أي: المسؤول.

وفليتم إطلاق سراح هاجر الريسوني، وخطيبها، والدكتور بلقزيز وفريقه، وليتم محو سخافة هذه الوضعية.

شارك المقال