افتتاحية.. شكرا جلالة الملك

18/10/2019 - 12:02
افتتاحية.. شكرا جلالة الملك

نعم، الفرح ممكن. ومثلما تفاجئنا النوائب وتتكالب علينا عوادي الدهر، تأتي علينا في هذه البلاد، وتحديدا داخل هذه الجريدة، لحظات نصبح فيها مأخوذين بالفرحة العارمة. وإذا كانت لنا من رسالة خاصة نستلهمها من قرار العفو الملكي، الذي صبّ علينا مساء أول أمس بهجة افتقدناها منذ شهور طويلة، فهي أن الأمل الذي ظللنا متمسّكين به، وحرصنا على أن ندعو إليه ونحن تحت وابل القصف والاستهداف والتكالب، ليس ضربا من الغباء، بل هو أمل ممكن.

ما عشناه من لحظات سعيدة عصر أول أمس لا يمكن أن يهم هاجر الريسوني وخطيبها وطبيبها ومساعديه وحدهم، ولا ينحصر في هذه الجريدة وأزماتها فقط؛ بل يكفي أن نفتح أيا من الشبكات الاجتماعية لنرى بالعين المجردة مغربا سعيدا كاد البعض يقنعنا بأنه بات مستحيلا. لقد كتبنا في هذه الزاوية من هذه الجريدة، في اليوم الأول الذي قررنا فيه الكتابة عن قضية اعتقال زميلتنا هاجر الريسوني، تحت عنوان: «لن نيأس». وقرّرنا يومها أن نخرج للردّ على أبواق التشهير وتجار الأعراض بعدما تأكد لنا دخول أجندات الاستهداف الخسيس لما تبقى من أنفاس هذه الجريدة على الخط، لكننا لم نفقد الأمل. اليوم وقد صدر عن الملك ما يصدّق أقواله التي لم يجفّ مداد حبرها بعد، حين أعلن، من منصة البرلمان الأسبوع الماضي، عزمه على إطلاق مرحلة جديدة، نقول لمن أصرّوا على دفعنا إلى اليأس، وحاولوا جرّنا عنوة إلى «ضريب الحجر»، وأخضعونا من جديد لاختبار شدّ الأعصاب والاستفزاز، إننا لم نيأس، وها هو الملك يمنحكم دليلا آخر على أن ضرع الأمل لم يجف.

إن الصياغة الدقيقة للبلاغ المعلن عن العفو الملكي تفيد بأن الملك، وهو يصدر عفوا خاصا واستثنائيا ودون مناسبة رسمية، لا يقفز على القانون، بل يعيد الأمور إلى نصابها، ويحقق الإنصاف، ويستعيد الروح الإنسانية التي افتقرت إليها بعض مؤسسات الحكم وإنفاذ القانون، وزيّنت لها أفعالها أبواق التشهير والاغتيال المعنوي.

لقد دأبنا في هذه الجريدة، ونحن نتعرض في كل يوم لضربات جديدة، ونقتاد في كل مرة نحو حبل الإعدام الرمزي في انتظار الإجهاز المادي، على إشعال الشموع، كما حافظنا على واجبنا في لعن الظلام.

لقد سجّلنا المنجزات حين تحقّقت، واحتفينا بالانتصارات، واحتفينا حتى بالأهداف التي سجلها المنتخب الوطني، وإن لم تحمل لنا تأهلا، وبصمود الوداد البيضاوي، وإن لم ينل لقبا، ورفعنا عاليا طفلتنا التي شرفتنا في مسابقة عربية للقراءة… وها هو العفو الملكي عن زميلتنا يؤكد لمن ساورهم الشك أن الإيمان بمغرب أفضل ممكن رغم التراجعات، وأن الاندحار الشامل ليس قدرا محتوما على المغرب.

رسالة العفو الملكي، كما نفهمها في هذه الجريدة، أن الدولة لم تسلم زمامها لوحش القمع الشامل، وأن المقاربة الأمنية المنحرفة ليست أسلوب حكم جديدا، وأن الظلم ليس سياسة عمومية تحمي هيبة الدولة بصنع الملفات حول الحياة الخاصة، وأن رفع العقيرة للصراخ ضد الظلم، وسلوك المساطر القانونية المشروعة والأشكال النضالية السلمية في مواجهته، ليس خطأ، كما حاول أن يوهمنا البعض ممن ينظّرون لفكرة الاستسلام والانقياد، وإدارة الخد الأيمن ليصفعه الظلم بعد الخد الأيسر…

باختصار، هذا القرار يعني أن عقل الدولة مازال بخير، وأن استعادة نفَس الإصلاح والديمقراطية وحقوق الإنسان مازالت ممكنة، وعودة توفيق بوعشرين إلى أسرته وجريدته وافتتاحياته مازالت ممكنة، واستعادة حميد المهداوي ومرتضى اعمراشا حريتهما، لممارسة حبّهما للمغرب كل بطريقته، مازالت ممكنة، ومعانقة شباب حراك الريف أمهاتهم مازالت ممكنة…

شكرا جلالة الملك

شارك المقال