احتفاءً بالمولد..أمداح وتصوف وتعايش مع اليهود والمسيحيين

10 نوفمبر 2019 - 08:30

إذا كان المغرب يبقى متميزا واستثناءً في الاحتفالات بعيد المولد النبوي، حتى بين الدول التي تحيي هذه الذكرى، مثل مصر وليبيا وتونس والجزائر والسنغالفإن هناك زوايا مغربية تشكل استثناء الاستثناء في الاحتفال بهذهالذكرى المغربية الغالية على المغاربة، مثل الزاوية الحراقية الدرقاوية في تطوان، والزاوية الروسية الدرقاوية فيالقصر الكبير، وهما زاويتان صوفيتان تستقبلان، كل ذكرى مولد نبوي، جوقا موسيقيا بكامل آلاته المستعملة فيعزف نوبات موسيقى الآلة الأندلسية، في مكان هو في الأصل مخصص للصلاة، حيث يصاحب العازفون فقراءالزاوية ومريدوها وهم يتغنون بقصائد كبار شعراء الصوفية، من أمثال الششتري والحراق وابن الفارض والحلاجوالبصيريفمن أين أتت هذه العادة؟ أغلب الظن أنها عادة مسيحية تسربت إلى بعض التصوف المغربي كغيرهامن السلوكيات والأدبيات، لعل أبرزها تشبيه الحلاج بالمسيح، من حيث تشابه الكرامات المنسوبة إلى الحلاج معالمعجزات المعروفة عن المسيح، أو طريقة موت الحلاج مع الرواية المسيحية لـموتالمسيح، أو من خلال خصائصالسُّلم الموسيقي في موسيقى الآلة وقصائد المديح والسماع الصوفي في المغرب، التي هي نفس الخصائص السلميةالتي نجدها في كثير من الغناء الكنائسي.. “عندما نسمع موسيقى الآلة، فمثلما نسمع الموسيقى الغريغورية، نسبةإلى البابا غريغوريوس الأكبر الذي عاش بين سنة 604 و590 ميلادية، يؤكد محسن خنوس، أستاذ الموسيقىوالغناء. أما أستاذ التربية الموسيقية أحمد الهبيشة، فيذهب أبعد من ذلك بقوله: “حتى قراءة المغاربة للقرآن خاضعةلخصائص السُّلم الموسيقي الغريغوري المسيحي“.

فهل يعني هذا أن المورسكيين الذين جاؤوا إلى المغرب، نقلوا لنا عن مسيحيي الأندلس تقاليد العزف على الآلاتالموسيقية في الأماكن المخصصة للصلاة، مثلما نقلوا لنا موسيقى الآلة الأندلسية والطرب الغرناطي والمالوف؟

محمد الحراق، ابن الزاوية الكبرى بتطوان، له رأي آخر، يقول: “الذي أدخل الموسيقى إلى الزاوية الحراقية، هو جدناسيدي إدريس، لمّا وقف عليه سيدي عبدالسلام بن ريسون، وقال له؛ خصك تجيب الماعون (الآلات الموسيقية) للزاوية“. وإذا كان البعض يستهجن استعمالات الآلات الموسيقية في الأمداح النبوية والسماع الصوفي، فإن استعمالالموسيقى لدى بعض المتصوفة يصل حتى تشييع الجنائز، عن ذلك حكى عازف الكمان ضمن الجوق الأندلسي بمدينةالقصر الكبير، الراحل محمد مومن، قائلا: “أذكر أنني رافقت المرحوم البشير الروسي، رئيس الجوق الأندلسيوالعازف على آلة الكمان، إلى جنازة أخ أحد مريدي الزاوية الدرقاوية الروسية بالقصر الكبير، وما إن وصلنا إلى باببيت عائلة المتوفى، ورأنا شقيق المتوفى، حتى شرع يضرب على أفخاذه ويقول لنا: فينا هي الكمنجة، فينا هيالكمنجة“. مثل هذا الحادث يؤكده أيضا وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق في روايتهغريبةالحسين، كما يجد تبريره في ما يؤكده الفقيه الحائك، فيالكناشمن أنالملائكة تسبح لله على نغمةالإصبهان، وهو مقام من أعذب المقامات الموسيقية الأندلسية التي يتغنى بها المادحون، ولذلك اعتقد الأندلسيونومعهم المغاربة أن النبرة التي تسبح بها الملائكة لله هي نغمة الإصبهان.

إن هذه التقاليد المألوفة لأهالي مدينتي تطوان والقصر الكبير، في الزاويتين الدرقاويتين، خلقت في السنتينالأخيرتين نقاشا كبيرا، بعدما قامت الطريقة الصوفية الكركرية، التي أثارت جدلا دينيا وسياسيا في المغربوالجزائر، بالسماح لبعض مريديها من دول أوروبية بأن يعزفوا، خلال احتفالات عيد المولد النبوي، على آلات موسيقيةمختلفة (الناي الغربيآلة Le Hang) وسط فقراء الزاوية الذين يلبسون الرداء المرقع بألوانه المثيرة للانتباه.

الباحث في المجال الموسيقي، عبد العزيز بن عبدالجليل، له رأي آخر، حيث يعتبر أناستخدام الآلات الموسيقيةظاهرة طارئة على موسيقى المديح والسماع بالمغرب. والغالب أن هذه الظاهرة تسربت إليه من أوساط الطوائفالدينية، حيث تجد الآلات بأنواعها موقعا رحبا وعلى درجات متفاوتة، فقد كان للتواصل الذي تحقق بين الطوائف وبينأوساط المسمعين في بعض المناسبات والمواسم دور في تقوية هذه الظاهرة التي كانت في البدء موضع انتقاد،ولاسيما من طرف الفقهاء المتشددين. ويبدو ذلك في ارتفاع أصوات معارضة من قبيل إنكار المؤرخ الزياني فيالترجمانة الكبرىلاجتماع فقراء الصوفية بضريح المولى إدريس بفاس على استعمال العود والبندير والطر والبوقوالمزامير في أذكارهم“.

ويضيف ابن عبدالجليل، في مقال له في الموضوع، أنهباستثناء بعض الطرق الصوفية التي لا تستخدم الآلاتالموسيقية إطلاقا كالكتانيين والتِّجانيين، فإن جل الطرق تعتمد في إنشاداتها على المصاحبة الآلية. وهي في هذاعلى درجات ثلاث من التفاوت: “فئة تعتمد بالدرجة الأولى على الآلات الوترية كالصديقية والحراقية والريسونيةوالشَّقورية والدرقاوية. وإلى هذه الأخيرة أشار التادلي في كتابهأغاني السقا ومغاني الموسيقابقوله: يضربونبالعود. وفئة تعتمد على آلات النفخ والنقر كتِهامة وعيساوة واحْمادْشَة وجيلالة (النفيرـ الغيطة ـ العوادة). وفئة لا تكادتستعمل سوى آلات النقر كهَدَّاوَة. وإلى هؤلاء أشار التادلي بقوله: إن نَدْفَهُم في أَكَوال يشطحون ويضربون،والحَسُّونية الذين يستخدمون الطاسَة والطبل والطبلة والطبل الكبير والطارة التي يعنون بها البَنْدير“.

ويعلق الباحث الموسيقي على ذلك بقوله: “من الملاحظ أن مجموعات المادحين الشبابية التي تجنح إلى استعمالالآلات الموسيقية تأتي في صنفين: صنف يوظف آلات الجوق الأندلسي كاملة (العود والرباب والكمنجة والطروالدربوكة)، مما يجعل حصةالسماعأقرب إلى أن تكون محاكاة للآلة الأندلسية. وصنف ينفتح على آلات غربيةكالأوركَ والبيانو والساكسفون. وذلك بدعوى عديمة الجدوى مؤداها تطوير فن المديح والسماع من خلال التوزيعالآلي، وهو سلوك يتناقض كلية مع روح هذا الفن“. مضيفاوإذا كانت بعض الزوايا في سياق تبنيها لبعض تقاليدمستعملات النوبة الأندلسية قد أباحت لنفسها استعمال الآلات الموسيقية، فإنها ظلت وفية لخصوصيات فن السماع،محافظة على أصوله، واعية بالمسافة الفاصلة بينه وبين فن الموسيقى الأندلسية. ومن أجل هذا، فهي تلتزم بالآتي: الاقتصار على آلات العود والرباب والطر. حصر وظيفة الآلات في المصاحبة الخفيفة للمجموعة، بعيدا عن أي هيمنةلها على الأصوات. الابتعاد الكلي عن أسلوب الجوابات والتغاطي الآلية السائد في أداء ميازين النوبة الأندلسية. خُلُوُّ الإنشادات بأنواعها من أي مصاحبة آلية. عدم استخدام الآلات بالمرة في إنشاد المواويل“.

التصوف الإسلامي واليهود

إن حالة التثاقف هاته، إذا سلمنا بأن بعض صوفيينا، ربما، أخذوا عن مسيحيي الأندلس استعمال المعازف فيالأماكن المخصصة للعبادة، لا تقف عند هذا الحد؛ إذ إن الزوايا المغربة كانت بدورها ملهمة لليهود الذين طردوا منالأندلس مع جيرانهم المسلمين. فالتقارب بين المسلمين واليهود لم يقتصر على العادات والتقاليد المشتركة، بل تعداهاإلى ما هو روحي وعقائدي، بحيثتُطلعنا بعض الوثائق على وجود طبقة من الناس العاديين في المجتمع اليهودي،ممن استهوتهم الزوايا الدينية، فصاروا من أتباعها، مثلهم مثل الدراويش، يشهدون مجالس شيخ الزاوية ويصبحونمن مريديه، يؤكد المؤرخ المغربي حاييم الزعفراني في كتابه: “يهود المغرب والأندلس“. مثل هذه الأمور تؤكدها وقائعمثل زيارة المسلمين واليهود، إلى يومنا هذا، لنفس الأولياء والمزارات، واعتقادهم معا في بركتهم ووساطتهم، مما يعنيأن اليهود والمسلمين قد جسّدوا لمراحل؛ ليس فقط، مقولة الدين لله والوطن للجميع، بل الدين والوطن للجميع، عن ذلكيحكي الصحافي محمد أحمد عدة، كيف كان والده، قاضي القصر الكبير، محط اعتقاد وبركة لليهود في مدينةالقصر الكبير،في الستينات كان الوالد حافظا للقرآن والمتون، وفي أحد الأيام سمع دقا على باب منزل عائلته، ففتحليجد جارته اليهودية تطلب منه أن يصاحبها لقراءة القرآن على زوجها الذي كان يحتضر، وهو ما لم يتردد في فعله،حيث شرع في قراءة القرآن إلى أن فارقت جاره اليهودي الروح“. هذا النوع من التثاقف بين اليهود والمسلمين يجدمرجعه في الحركة الفكرية الكبرى التي انطلقت في الأندلس، والتي كان من أثرها ترجمة كتب المتصوفة إلى العبرية،مثلما حدث مع كتب ابن عربي والغزالي التي تأثر بها تلميذ ابن رشد، اليهودي أبراهام بن ميمون، الذي يعتبر مؤسسالتصوف اليهودي المعروف بالقبالا، فقد أصبح هذا الفيلسوف المتصوف عاشقا للزهاد المسلمين، إلى درجة تفضيلهمعن اليهود! يذكر ابن ميمون في كتابه: “كفاية العابدين، أنالزهاد المسلمون هم الذين يمثلون الحقيقة الدينية التيهي من خصائص بني الأنبياء، في العهود التوراتية، فالمتصوفة هم، بوجه من الوجوه، الذين يسيرون على طريقالنبوءة أكثر من اليهود أنفسهم“. هذا التأثير والتأثر الصوفي، يجد حضوره الواضح في الموسيقى الأندلسية،وخصوصا الطبع الشكوري اليهودي، كما أن هناك العديد من قصائد الملحون التي كان يتغنى بها اليهود دون أنيتحرّجوا من قول: “سيدنا يا رسول لله“.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.