الملكية والأحزاب.. التعايش القسري

24/11/2019 - 21:00
الملكية والأحزاب.. التعايش القسري

لا يمكن تفكيك المشهد السياسي بالمغرب وسبر أغواره، بمعزل عن تحديد العلاقة بين الملكية كقوة فاعلة فيه وبين الأحزاب السياسية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالإصلاح أو تكريس الاختيار الديمقراطي كما نص على ذلك دستور 2011، فمعرفة الخيوط الملتبسة في هذه العلاقة المفترضة مع المؤسسة الملكية، سيخلص بنا إلى أن هذه الأخيرة حاضرة في قلب الممارسة السياسية إن على مستوى إنتاج الخطاب، أو اتخاذ القرارات المصيرية للبلاد.

حسب الهرم الدستوري للمملكة، فإن الملكية تحتل مكانة مؤثرة بين المؤسسات الدستورية، فهي توجد في مقدمتها لأن الضمانات المخولة لها بمقتضى النصوص الدستورية، ضمانات قوية تعزز من مكانتها في المشهد السياسي، وهو ما يلقي برأي المهتمين، بالمكونات السياسية الموجودة داخل النظام السياسي في محيط عمومي يكتنفه الغموض، وهو ما أصاب الأحزاب بالضعف لأنها لا تمتلك المبادرة، وعملها التأطيري  جعلها تتماهى مع الملكية لتفقد بريقها وتصبح عاجزة عن لعب دور الوسيط بين الشعب والملكية، ولتتسبب لها ممارستها في فقدان ثقة الشعب فيها وفي السياسة برمتها.

حسب الباحثين في الشأن الدستوري، فإن « الملكية بقيت قوية متماسكة، طيلة العقود السابقة، خاصة بعدما قام الملك الراحل بتدجين النخب الحزبية، تاركا لخلفه وضعا حزبيا بدون زخم سياسي أو معارضة قوية، الشيء الذي جعله في مواجهة مباشرة مع الشعب، مع ما يشكله ذلك من خطر على الملكية، ولعل الدعوة الملكية إلى بلورة نموذج تنموي جديد يهم ليس فقط، تكوين نخب اقتصادية فعالة، بل بالأساس بلورة نخب حزبية مبادرة تشكل وسائط ناجعة بين الملكية والشرائح الشعبية، وكذا قنوات لتأطير الأجيال الشابة الصاعدة، فتاريخ الصراع بين الملك الراحل الحسن الثاني مع أحزاب الحركة الوطنية التي كانت تنازعه السلطة، وتطمح إلى اقتسامها انتهى في نهاية حكم هذا الأخير لصالح المؤسسة الملكية التي بقيت مؤسسة قوية ونافذة بقراراتها السياسية ». دون أن ننسى أيضا الدور الذي تلعبه الشرعية الدينية، فالملك بحمله لصفة أمير المؤمنين، يعزز من الموقع الحاسم لهذه المؤسسة داخل الهرم الدستوري والسياسي برمته، انطلاقا من الفصل التاسع عشر، الذي ينص على أن « الملك هو أمير المؤمنين والممثل الأسمى للأمة وضامن دوام الدولة واستمرارها، وهو حامي حمى الدين والساهر على احترام الدستور. وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة ». فحسب المهتمين، فإن « أهمية هذا الفصل وقوته لا تأتي فقط، من كونه مفتاحا مبدئيا لتحديد مركزية المؤسسة الملكية في البناء الدستوري، بل كذلك من كونه يجسد المنطلقات العقائدية الكبرى التي تراهن عليها الملكية لتدبير شؤون الحكم ».

لقد رسمت الخطب السياسية للملك محمد السادس، في العديد من المحطات السياسية، التوجهات العامة للإصلاح السياسي، وهو أمر أفقد الأحزاب قدرتها على اتخاذ المبادرة إلا من داخل المبادرات الملكية، فهي وإن بدت تؤثث المشهد السياسي، فهي بعيدة عن الإمساك بخيوط اللعبة السياسية. حسب المتتبعين، فإن الملك داخل النظام السياسي، هو رئيس الدولة، ومن ثم، فهو الرئيس الفعلي للجهاز التنفيذي، حيث يترأس المجلس الوزاري مما يمكنه من توجيه السياسة الحكومية، وهو يعمد بشكل مباشر على توجيه الحياة البرلمانية من خلال افتتاح دورات البرلمان، كما تبرز أهمية وقوة المؤسسة الملكية أيضا، في تدبيرها للملفات ذات الطابع الاقتصادي، وفي الصلاحيات الممنوحة إليها في التعيين في الوظائف المدنية والقضائية والعسكرية.

فعندما نعرج على الخطب الملكية، سنجد دائما تأكيدا من الملك محمد السادس، على عجز الأحزاب السياسية المغربية عن القيام بدورها كما ينبغي، وتقاعسها في إغناء برامجها وعدم تجديد نخبها، وهي المعول عليها أن تلعب دور الوساطة والنيابة عن المجتمع، مؤكدا أنه يتعين عليها استقطاب نخب جديدة، وتعبئة الشباب للانخراط في العمل السياسي.

وكان لافتا أن الخطاب الذي ألقاه ملك المغرب محمد السادس بمناسبة الذكرى 17 لتوليه الحكم تحديدا، حمل رسائل سياسية عديدة، فقد طالت هذه الرسائل، علاقة الملكية بالتجاذبات الحزبية مع اقتراب الانتخابات التشريعية، وحتى يحدد الملك للأحزاب دورها، فإنه نبه قادة الأحزاب أن المؤسسة الملكية يجب أن تبقى بعيدة عن التجاذب السياسي الذي تعيشه البلاد، وذكر الملك ساعتها الجميع، بأن شخص الملك يحظى بمكانة خاصة في النظام السياسي المغربي، « وعلى جميع الفاعلين -مرشحين وأحزابا- تفادي استخدامه في أي صراعات انتخابية أو حزبية ».

وفي خطاب آخر، دعا الملك محمد السادس الأحزاب السياسية إلى مسايرة المرحلة الجديدة، بمزيد من الجدية واليقظة والوحدة كما طالبها من جهة أخرى، بالابتعاد عن الصراعات الفارغة وتضييع الوقت والطاقات. كما طالب المسؤولين السياسيين، بضرورة العمل الجاد، وأداء الأمانة التي حملها المواطن لهم والتنافس الإيجابي لمصلحة الوطن، داعيا حكومة الأحزاب إلى وضع مخططات مضبوطة التحضير والتنفيذ والتدقيق والمتابعة المستمرة.

في رأي العديد من المهتمين بالشأن السياسي، فإن التحكم في الأحزاب برز كسمة واضحة داخل النظام في المغرب، إذ اعتمد على استراتيجية تقوم على إضعافها قبل احتوائها. وقد أثبتت التجربة كيف أن أحزاب الكتلة، وبعد عقود من الخلافات مع الملكية، كيف أنها رضخت في الأخير وشاركت في حكومة التناوب التوافقي، فتحولت مع مرور الوقت إلى كائنات سياسية ضعيفة.

سهار الدريسي، الباحثة في مركز الفكر الاستراتيجي للدراسات، وهي تتحدث عن خصوصية التحول الديمقراطي بالمغرب بعد المصادقة على  دستور 2011، ترى أن مقولة الاستثناء المغربي، واجهت اختبارا صعبا في الفترة الراهنة من الممارسة السياسية بالمغرب، حيث أثار القرار الملكي بإقالة رئيس الحكومة المعين، عبدالإله بنكيران، وتعيين، سعد الدين العثماني مكانه، بعد تعرقل مسار تشكيل الحكومة لما يناهز خمسة أشهر، الانتباه إلى التساؤلات الجدية حول علاقة المؤسسة الملكية لا بالأحزاب فقط بل أيضاً بمبادئ الديمقراطية. ويبدو أن هذا القرار قد فند في رأيها « كل احتمالات تطور المشهد السياسي المغربي أو تغيره مستقبلا، لما كشفه عن ارتهان كبير لمنظومة الحكم الديمقراطي لهيمنة المؤسسة الملكية والتأثير البنيوي والتاريخي لقوى الدولة العميقة ».

الدريسي تذهب بعيدا عندما تقول بأنه « يسود الاعتقاد أن الفاعلين السياسيين بالمغرب غير قادرين واقعيا على تحييد المؤسسة الملكية وممارسة الفعل السياسي بدرجات عالية من الوعي والالتزام بأسس النموذج الديمقراطي، خاصة بعدما انتقد الملك، في خطابه بتاريخ 29 يوليوز 2016، الأحزاب السياسية، واتهمها بالاختلال والضعف، وبالتعمق في قراءة هذه الانتقادات نجد أن التقلبات السياسية والتحركات الاحتجاجية لم تمكن هذه النخبة من استثمار اللحظة التاريخية وثقة المشرع والشارع بها منذ 2011. لذا، فإن مفارقات المشهد السياسي المغربي تتمثل في حاجته المتزايدة إلى الأوامر الملكية لضمان دوام الدولة واستقرارها ».

من جانبه، يؤكد الباحث في العلوم السياسية، خالد بن الشريف، بأن « المؤسسة الملكية تحظى بالمغرب بمكانة عالية، دستوريا وسياسيا وثقافيا، إنها القلب المحرك لجميع أعضاء الجسم السياسي المغربي ومؤسساته، والعقل المدبر لتوجهات البلد الكبرى داخليا وخارجيا، وإذا كانت المؤسسة الملكية تتمتع بكل هذه السلطة، فإنها تستمد مشروعيتها من رزنامة من المشروعيات القانونية والدينية والتاريخية والصوفية والثقافية، لتنصهر في بوتقة واحدة فتضفي على نسقها السياسي مزيدًا من الصلابة والتفرد والخصوصية ». ومن ثم، فإن الفصلين 41 و42 من دستور 2011، يؤكدان أن « سمو المؤسسة الملكية عن كل المؤسسات الأخرى، فالملك قبل كل شيء أمير المؤمنين ورئيس الدولة وممثلها الأسمى ورمز وحدة الأمة والساهر على احترام الدستور وضامن دوام الدولة والحكم الأسمى بين مؤسساتها ».

كما أن « الملك هو من يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها، وله الحق في إعفاء عضو منها أو أكثر من مهامه بعد استشارة رئيس الحكومة، كما يترأس الملك المجلس الوزاري الذي يتألف من رئيس الحكومة ووزرائها، مهمة هذا المجلس التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة ومشاريع مراجعة الدستور والقوانين التنظيمية، وكذا التوجهات العامة لمشروع قانون المالية ».

فحسب الدستور، أيضا، فـ »الملك هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وله حق العفو وحق حل مجلسي البرلمان أو أحدهما، وللملك أن يخاطب الأمة والبرلمان، ويتلى خطابه أمام كلا المجلسين، ولا يمكن أن يكون مضمونه موضوع أي نقاش داخلهما، مثلما يرأس الملك المجلس الأعلى للقضاة، وأيضا المجلس الأعلى للأمن، علاوة على حقه في تعيين السفراء والقناصل ».

كما أن الملكية تتمتع في المغرب بصلاحيات دستورية واسعة، لكنها تنازلت في جزء منها بعد أحداث الربيع العربي لفائدة الحكومة، لكن الأحزاب السياسية، على الرغم من ذلك، أبانت عن ضعف كبير في ممارسة الاختصاصات الجديدة، فصلاحيات الأحزاب السياسية في دستور 2011، تمكنها من تأطير المواطنين وتكوينهم سياسيا في ظل المبادئ الكبرى للبلاد، النظام الملكي، الدين الإسلامي، والوحدة الترابية، كما ينص الدستور، أن للبرلمان الحق في أن يمارس السلطة التشريعية والنيابة عن الأمة، حيث يصوت على القوانين ويراقب عمل الحكومة ويقيم السياسات العمومية، ونجد أن الأحزاب السياسية حاضرة فيه بقوة، لكن تأثيرها يبقى ضعيفا بالنظر لما لممثليها بالبرلمان من صلاحيات لا يمارسونها في غالب الأحيان، كملتمس الرقابة أو لعب دور سياسي قوي داخل المعارضة، أو رفضهم مناقشة ميزانية البلاط الملكي، هنا يتجلى بوضوح كيف أن الأحزاب السياسية فشلت في إقناع المواطنين، بمشروعها، وانفض الناس من حولها، في مقابل فئات شعبية أخرى ترى بأن تسيير إدارة البلاد لا تستطيع إلا الملكية القيام به، فهناك حضور شامل للمؤسسة الملكية سياسيا ودستوريا ومجتمعيا، كما أن جل المبادرات وتكون الملكية من ورائها سواء أكانت مبادرات سياسية أو اقتصادية، ولا يمكن تصور أي قرار يرتبط بالتوجهات الكبرى للإصلاح، نابعا من خارج الإرادة الملكية المهيمنة، التي تجعل الأحزاب مرتهنة لهذه الإرادة ومتماهية معها وليست أحزاب مبادرة.

 

شارك المقال