ما هو تقييمك لعلاقة الملكية بالأحزاب السياسية بعد دستور 2011؟
دستور 2011 هو أول دستور مغربي يفرض على المؤسسة الملكية تعيين رئيس الحكومة من بين أعضاء الحزب الذي يصل الأول في الانتخابات التشريعية. وهذا أعطى بعض التوازن وإن كان مؤقتا للعلاقة بين الملكية والأحزاب، والتي كانت قبل ذلك علاقة سيطرة وتبعية إن على المستوى القانوني أو العملي. ونظرا إلى الحراك الذي عرفه الشارع المغربي والفوز الانتخابي الذي حققه حزب العدالة والتنمية سنوات 2011-2015-2016، فإن المؤسسة الملكية أظهرت نوعا من الاعتبار لروح الدستور ولميزان القوى السياسي، في ما يخص تكليف قائد الحزب الأول بتشكيل الحكومة، رغم أن النص الدستوري يقول من الحزب الأول، وليس زعيم هذا الحزب بالضرورة.
هذا على المستوى النظري، أما إذا أمعنا النظر في الأمر، فإنه ابتداء من 10 أكتوبر 2016، أي يوم الإعلان الرسمي عن تكليف الملك لعبدالإله بنكيران بتشكيل الحكومة، ابتدأ العد العكسي الهادف إلى التخلص من زعيم البيجيدي كرئيس للحكومة، وهكذا دُفعت الرباعية الملكية المكونة من الأحرار والحركة الشعبية والاتحادين الدستوري والاشتراكي إلى فعل أي شيء ممكن، لإفشال محاولات بنكيران تشكيل أغلبية. ولنتذكر، كذلك، أن القصر فرض على بنكيران عدم ضم حزب الاستقلال للأغلبية. كل هذا أدى إلى ما يسمى بأزمة البلوكاج، والتي انتهت بالإعفاء اللادستوري لزعيم البيجيدي كرئيس معين للحكومة. كان هذا القرار الأخير صفارة إنذار بنهاية الاستراحة الدستورانية التي أعطي فيها شيء من الاعتبار للأحزاب. هكذا عاد المغرب إلى أعراف وممارسات ما قبل الربيع المغربي.
حسب هذا التحليل، فأنت خلصت إلى أن الأحزاب فقدت دورها التأطيري بعد تراجع دورها، خصوصا في الاحتجاجات، فقد بدا واضحا أنها فشلت في القيام بدور الوساطة بين الشعب والملكية. ما هو السبب في نظرك؟
لاحظنا أن قيادة البيجيدي لعبت دورا تأطيريا مهما خلال سنة الحراك الديمقراطي، حيث وقفت أغلبيتها في مواجهة هذا الحراك بالدعوة إلى عدم المشاركة فيه، كما لعبت دورا تأطيريا في دعوة الساكنة إلى المشاركة في استفتاء 1 يوليوز، وفي انتخابات 25 نونبر. الجناح المعارض لبنكيران داخل قيادة البيجيدي دعا إلى العكس، كما فعلت أحزاب أخرى مثل الحزب الاشتراكي الموحد، والنهج والطليعة والعدل والإحسان وغيرها، إلى المشاركة في المظاهرات المطالبة بالديمقراطية وبانتهاء الاستبداد. إذن، لا يمكن تعميم القول بأن المنظمات السياسية لا تشارك أبدا في تأطير المجتمع.
في اللحظة التاريخية التي نعيشها الآن، هناك تراجع كبير لدور الأحزاب في تأطير الشارع، لأن أغلب هاته الأحزاب إما خائفة من نزول الدولة بأدواتها القمعية والتشهيرية ضدها، وإما أنها أُدمجت في النسق الزبائني للنظام الحاكم.
ألا تعتقد بأن دور بعض الزعماء السياسيين تقلص، خصوصا وأن بعضهم تعرض لغضبات ملكية. هل هذا مؤشر على استرجاع الملكية بعضا من أدوارها في المشهد السياسي؟
هذا صحيح. ذلك لأن الزعماء التابعون يعيشون بصفة شبه دائمة في خوف من الغضب الملكي. هم موضوع غضب لأنهم لا يستطيعون دعم مشروعية النظام بشكل كاف. وكيف لهم ذلك وفاقد الشيء لا يعطيه؟ فهم يفقدون مصداقيتهم لما يدخلون بشكل ذليل في خدمة النظام لخدمة مصالحهم في الغالب، وأحيانا لخدمة برامج أحزابهم. وإذا حدث أن انتفضوا ولو بشكل محتشم ضد الإهانة الدائمة، فإنهم يسرحون بشكل أكثر إذلالا. هذا ما وقع مثلا لنبيل بنعبدالله، وقبله لبنكيران سنة 2017.
الاستبداد رجع بكل قوة وبوجه مكشوف الآن، و »الزعيم » الذي لا يضع نفسه رهن إشارة النظام دون نقاش، فإنه يُعزل أو يُدفع دفعا نحو باب الخروج. ما وقع على العموم أن الشارع في بعده السياسي والوطني – وأنا هنا لا أتحدث عن الحراكات المحلية أو القطاعية رغم أهميتها- قد تراجع كثيرا فرجعت حليمة إلى عادتها القديمة، أي التلاعب بالأحزاب وكأنها « كراكيز » مسخرة تمسح فيها أخطاء النظام وفشله، مع الاحتفاظ بالسلطة كاملة بين يدي النخبة نفسها التي تحكم المغرب منذ عقود، هي أو ورثتها إن على المستوى العائلي أو السوسيولوجي.
هل تعتقد بأن هناك من يرغب في موت الأحزاب، أم أن الأمر مرتبط بتفريطها في دورها السياسي لصالح الملكية؟
الأحزاب قسمان مندمجة في النظام أو ممانعة أو رافضة له. الجزء الأكبر منها تابِع، وهي بتبعيتها تساهم في قتل السياسة، وفي الاحتقان الاجتماعي الخطير وفي غضب قطاع كبير من السكان، والذي عبر عنه مثلا الاحتضان الحماسي المنقطع النظير للأغنية الاحتجاجية، بينما الخطابات الرسمية لا يهتم بها سوى جزء يسير من المواطنين. إذا لم يقلق هذا التدني في الشعبية المتحكمين في تدبير الشأن العام، فهذا يعني أنهم لا يهتمون بالتراجع الخطير في مشروعيتهم. يظهر لِي أنه إذا لم يقع أي تغيير عميق وصادق، يعطي بعض الأمل لبعض من الشعب، فإن استقرار النظام قد يصبح مهددا.
هل تتوقع أن ضعف الأحزاب سيمهد الطريق لهيمنة جديدة لسلطة الملكية على المشهد السياسي، أم سنشهد دورا جديدا للأحزاب ووساطتها في المجتمع سيرغمها لا محالة على تجديد أساليب عملها؟
لم تعد هناك هيمنة بالمعنى الغرامشي الأصيل للمفهوم، بل هناك سيطرة على الأبدان وليس على النفوس، كما حاولت شرح ذلك باقتضاب في جوابي عن السؤال السابق. ضعف الوسائط التقليدية بسبب التطور الاجتماعي والذهني بفضل التعليم والتمدن… والإضعاف الممنهج من لدن الدولة للوسائط الحديثة كالأحزاب وجمعيات المجتمع المدني والمثقفين والصحافة، وضع اليوم، الملكية وجها لوجه مع الغضب الشعبي أو على الأقل عدم الارتياح الواضح للفئات المقصية من اقتسام الخيرات المادية أو المعنوية أو كليهما بالبلاد. فالملك نفسه، وضع هذا السؤال سنة 2014: أين الثروة؟ لكن ليس هناك أي جواب حتى الآن.
ارتباطا بتعيين الملك لرئيس اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، هل تعتقد أن هذا القرار الملكي هو إيذان بموت وفشل الأحزاب السياسية؟
فشل النموذج التنموي، الذي احتفى به الإعلام الرسمي كثيرا في بداية ما سُمي بالعهد الجديد، وشرح كل جوانبه وفوائده المنتظرة لمدة تصل إلى العقدين، واتهم رسميا كل من عارضه بالعدمية، هو فشل للنظام والأحزاب الداخلة في خدمته ما هي إلا جزء منه. لذلك، يجب الثناء على جرأة النظام بالاعتراف رسميا بفشل نموذجه التنموي. المشكل أن النموذج التنموي، والذي هو قيد التشكل بطريقة تقنوقراطية، أي بنفس الطريقة التي تم بها بلورة النموذج السابق، قد يكون مصيره هو نفس مصير السابق. لأن تجربة الإنسانية خلال القرنين الأخيرين بينت أن التنمية دون ديمقراطية هي سراب في سراب. فالديمقراطية وحرية المبادرة والشعور بالكرامة وبالأمان في إطار نظام قضائي نزيه ومستقل وغير فاسد، هو من يطلق القوى الدينامية في المجتمع للخلق والإبداع والإنتاج، والمساهمة إذن في التنمية. المواطن، الذي لا يستطيع محاسبة الحاكم بشكل دوري ومؤسساتي، ليس بمواطن.
ثم إن الإنسان المستعبَد والمهان، إذا عارض النظام يوضع بالسجن أو يغادر البلاد ليساهم في تنمية بلدان حرة وديمقراطية. أقول هذا بشكل كاريكاتوري، ولكن العمق صحيح وهذا ما يبرهن عليه التاريخ، فبعد سبعين سنة من التنمية دون حرية بالاتحاد السوفياتي سقط النظام ليفقد الناس كل نتائج العدالة الاجتماعية، وليفقدوا بعدها الحرية نفسها. الآلية الديمقراطية هي طريقة « التأمين » السياسي الوحيدة التي ابتدعتها البشرية. ويظهر أنه لامناص لنا منها لإنجاح النموذج التنموي الجديد.