كيف تحلل تنامي ظاهرة الاحتجاج والتعبير عن المواقف عبر الأغاني واللافتات من طرف جماهير الكرة؟
الأمر ليس خاصا بالمغرب، بل إنها ظاهرة برزت منذ نحو عشر سنوات في أماكن أخرى، وخاصة في إيطاليا، مع ما يعرف باسم «les tifosis». يتعلّق الأمر بمجموعات من مشجعي فرق كرة القدم، يطلق عليهم اسم «الإلترا»، والذين سوف نجدهم في أماكن أخرى مثل مصر، حيث لعبت هذه المجموعات دورا كبيرا في عمليات الاحتجاج التي شهدها ميدان التحرير في العاصمة القاهرة ضد نظام حسني مبارك. في المغرب ظهر هذا النوع من المجموعات أساسا مع التقاطب الحاصل بين أندية مدينة الدار البيضاء، حيث بات لأغنية مشجعي الرجاء البيضاوي «فبلادي ظلموني» صدى كبيرا إقليميا ودوليا.
هل يمكن القول إن هذه المجموعات من المشجعين تقوم بفعل سياسي؟
إنهم يتفاعلون مع الحياة الاجتماعية، وبالتالي، لديهم تأثير سياسي. إنهم يدافعون عن قضية، وهي قضية ضد اللاعدالة وضد «الحكرة» وضد الإقصاء الاجتماعي والاقتصادي. إنهم لا يهاجمون حكومة أو وزراء أو رئيس الحكومة، بل إنهم يوجهون خطابهم إلى ما يسمونه «النظام»، الذي يعتبرونه منفصلا عن الشعب ومتعاليا عليه. فبما أنهم شباب، فإن تلك هي طريقتهم في التعبير وأسلوبهم في رصد فشل النموذج التنموي غير العادل، وحيث يصبح الأغنياء أكثر غنى والفقراء أكثر فقرا. للمفارقة نجد أن الخطب الملكية منذ خطاب العرش للعام 2017 وتلك التي تلته، تعطي نوعا من الشرعية وجمهورا أكبر لتلك الاحتجاجات، بما أن العاهل نفسه قام برسم حصيلة غير مرضية.
هل يمكن أن نقول إن هذا الشكل الاحتجاجي أصبح بنيويا في الحياة السياسية الوطنية؟
لم يكن ذلك مقصودا في البداية من طرف الإلترات الاحتجاجية. فأغاني المشجعين و»ألترات» الأندية الرياضة كانت تحمل رسائل اجتماعية حول البطالة والفقر والإقصاء وتجاهل مشاكل الشباب من طرف المسؤولين… إنها تظلمات ومطالبات تطورت مع الزمن لتصبح مضمونا احتجاجيا لدى الحركة الاجتماعية التي ولّدتها، وبالتالي، تقوّت وتوسّعت. هذا الشكل من الاحتجاج لم يعد منحصرا في مدينة الدار البيضاء، بل تمدد خارجها نحو جهات أخرى، مثل طنجة وتطوان ومدن أخرى من المملكة. إنها ظاهرة موجودة وتعبّر عن تحوّل حدث في طريقة تعبير المشجعين عن حركتهم الجماعية. وعلينا أن نتذكر أن هذا الاحتجاج بدأ في مخاطبة المسؤولين عن الأندية أولا، ثم غيّر من طبيعته وأبعاده وأصبح شكلا تعبيريا لفئة من الشباب، لا وضعية اجتماعية لها ولا توجهات واضحة، بل إنها فئة مقصاة ومهمشة تبحث عن إثبات وجودها والتعبير عن آلامها.
هل هناك بعد هوياتي ما لدى هذا النوع من الاحتجاج؟
نعم، هناك هاجس واضح للبروز، أي أن تكون هذه الفئة مرئية ومسموعة، وبحث عن إثبات الوجود ونيل الاعتراف. هذا الاحتجاج يمنح إطارا يشكل هوية لدى فئة من الشباب. فهو يسمح بالتعبير عن المعاناة الاجتماعية، والتي تمتد إلى الحقلين الاجتماعي والسياسي. إنه احتجاج يزعزع الخطابات الرسمية للحاكمين وللأحزاب السياسية والنقابات. إنه خطاب لا يقدّم خريطة طريق ولا يطالب بهذه السياسة العمومية أو تلك، لكنه يدعو إلى العودة إلى الأساسي، أي ضرورة الشروع في فعل شيء ما مختلف. إنه أمر غامض بالفعل، لكنه تطلّع عميق نحو نموذج اجتماعي جديد، وبالتالي، فإن هؤلاء الشباب يتموقعون في طليعة المعبرين عن المطالب الشعبية.
لكن هذا الاحتجاج يستعمل بشكل خاص التعبير الفني المتمثل في الغناء؟
نعم، إنه وجه آخر، يمكننا أن نسميه بالوجه الموسيقي الآخذ في البروز. علما أنه مجال آخر وعالم مختلف تماما عما يمكن أن نسميه بعالم كرة القدم، أصبحنا نجده داخل الملاعب الرياضية. ظاهرة الرابور «ولد الكرية» و»لزعر» و»الكناوي»، هي تعبير خاص عن هذا الاحتجاج الموسيقي. فإن تحصل أغنية هذا الثلاثي التي تحمل عنوان: «عاش الشعب» على 700 ألف «إعجاب» أمر يُسائل الجميع. لكن هذا النوع من التعبير ليس جديدا، تماما، على المجال الاجتماعي والثقافي المغربي، وعلينا أن نتذكر مثلا سياق ظهور مجموعات غنائية مثل «ناس الغيوان» و»المشاهب» في السبعينيات، حيث كانت بدورها تعبيرات احتجاجية قوية في زمانها.
أي انعكاسات يمكن أن يخلفها هذا الشكل الاحتجاجي على الحياة السياسية؟
الانعكاسات مختلفة ومتنوعة، فهي تزيح بعض الجمعيات المنتمية إلى التيارات التي توصف بالراديكالية، كما تزيح بعض المثقفين الذين يتموقعون داخل دائرة الاحتجاج. فالعرائض والبيانات والنداءات الصادرة عن هؤلاء سوف تتراجع وتخفت مقارنة بالتعبيرات الجديدة، لكنها تنتمي إلى الشكل التقليدي من التعبير. فظاهرة الأغاني والـ»تيفووات» تخاطب جماهير واسعة وتسعى إلى احتجاج شامل، وبالتالي، له وقع أكبر. وفي هذا السياق تصبح الأحزاب السياسية بدورها معزولة أكثر. أما من جانب السلطة، فإنها لا تعرف بعد ما العمل، هل ستلجأ إلى القمع؟ لكن إلى أي حدود يمكنها أن تذهب. هل ستترك هذه الاحتجاجات تمضي في طريقها وتحاول التحكم فيها؟ لا توجد وصفة جاهزة للتحكم في هذه الاحتجاجات الجديدة وتوجيهها.