أشاد بالإنصاف والمصالحة واسترجاعها الثقة وتقويتها بحكم القانون واحترام حقوق الإنسان

16 ديسمبر 2019 - 07:00

تقرير الخمسينية، هو واحد من تقارير اللجان الاستشارية الملكية، الذي توقع بعضا من الصعوبات التي يعيشهاالمغرب حاليا، ففي خطاب 20 غشت 2003، طلب الملك محمد السادس الوقوفوقفة لتقييم الخطوات التي اتخذهاالمغرب على مدى نصف قرن في التنمية البشرية، من خلال تقييم النجاحات، والصعوبات والطموحات، وكذا التعلم منالخيارات التي قام بها“. كما يعتبر تشخيصا شاملا عن خمسين سنة، قامت به اللجنة الاستشارية التي قاد عملهاالراحل عبدالعزيز مزيان بلفقيه، المستشار الملكي السابق، حيث أنجزت تقريرا في 4500 صفحة بمشاركة حوالي100 خبير مغربي، ضم معطيات وتوقعات عما سيعيشه المغرب لغاية سنة 2025.

يتضمن تقرير الخمسينية قراءة لسنوات مضت من تاريخ المغرب، بكل ما تحمله من إنجازات وإخفاقات وإكراهاتوتوقعات، فهو تقريربؤر المستقبل، كما كان يطلق عليه منسق التقرير مزيان بلفقيه، خلص إلى أن البؤر المشارإليها تشكل منظومة متماسكة ومتكاملة، وأي قصور في إحداها يؤدي إلى خلل في التنمية البشرية والاقتصادية،وإلى تعثر في إقامة دولة الحق والقانون، لأن تحقيق التنمية البشرية الشاملة في بلد ما، يتوقف على وجود ممارسةديمقراطية وتعددية سياسية وفكرية وحرية في التعبير واحترام حقوق الإنسان في مختلف أبعادها.

ويتضمن تقرير الخمسينية، تطور الإمكانات البشرية، والتغيرات الاجتماعية والدينامية الثقافية. وفي هذا السياق،تمت الإشارة إلى مجموعة من المعطيات المتعلقة بتاريخ وجغرافية المغرب وساكنته، وأيضا التحولات التي عرفها المغربالمعاصر على مختلف المستويات، والتي يعتبرها التقرير تحولات عميقة. كما يبرز التقرير عينه، قوة الشخصيةالمغربية من خلال قدرتها على الحفاظ على استمرارية كل تنظيمها السياسي وملامحها الثقافية، هذا فضلا عن غنىالشخصية المغربية من خلال مكوناتها المتباينة، حيث تم الوقوف على تطور الساكنة المغربية منذ الاستقلالوخصائص الانتقال الديمغرافي وانعكاساته على بنية الأعمار. وبخصوص التحولات الاجتماعية التي عرفها مغربالاستقلال، فإن التقرير يشير إلى أن المجتمع المغربي في طور التمدين، وبنيته الأسرية شهدت عدة تغييرات، وهناكمساهمة نسائية فعالة، إلا أن المجتمع المغربي لازال مترددا إزاء الحداثة.

كما أن التقرير، يشير إلى تغير أنماط العيش لدى المغاربة، فمثلا، من زاوية الاستهلاك العام للأسر، سُجل حصولتحسن في مستوى نفقات كل فرد. وتعتبر الأسرة المحور الأساسي في التحولات التي شهدها مغرب الاستقلال، وقدمست التحولات بنيتها والعلاقة بين أفرادها على السواء، الأمر الذي كان له تأثير على تمركز السلطة في يد الأب. كماتم التنبيه في هذا السياق، إلى أن التضامن والتماسك الأسري الذي يعيشه المغاربة، قد يتعرض للتلاشي فيالمستقبل، خاصة مع الفردانية التي صارت تبرز في العلاقات الأسرية وخروج المرأة إلى العمل، وانعكاسات ذلك علىالأسرة، كما أن الارتفاع التصاعدي للعزوبة له تأثير على السلوك الزوجي للمغاربة.

ويتطرق التقرير الخمسيني إلى التطور المؤسساتي والسياسي، الذي عرفه المغرب منذ الاستقلال، ففي بدايةالتسعينيات عرف المغرب نوعا من الانفتاح السياسي متجاوزا بذلك خصومات الماضي، وصار التركيز على التنميةالبشرية. كما تم الوقوف على المراحل الأولى من استقلال المغرب، حيث واجهت البلاد مجموعة من التحديات الصعبةوالمتشعبة، لعل أبرزها استكمال الوحدة الترابية وبناء الديمقراطية وتحديد نموذج للتنمية الاقتصادية والاجتماعية،لكن هذه التحديات لم تجد إجابات إلا من خلال مرجعيات ومصالح سياسية متباينة، مما أدى إلى مجموعة منالخلافات بين عدة أطراف وحدوث عدة انشقاقات وبروز تشكيلات سياسية جديدة.

ويعتبر تقرير اللجنة الاستشارية، الذي أشرف عليه بلفقيه، أن استكمال الوحدة الترابية للمملكة أولوية لدى أغلبالقوى السياسية، وقد كان هناك اختلاف متباين في الطريقة التي سيتم بها استكمال الوحدة الترابية، خاصة معبروز عناصر اختارت مواصلة الكفاح المسلح، لكن رغم كل هذا، فقد استطاع المغرب ضمان التنظيم الإداري للترابالوطني، وتحقيق الاستقرار السياسي. وفي سنة 1960 تم تنظيم أول انتخابات في تاريخ المملكة بالاقتراعالمباشر، وتم إصدار أول دستور سنة 1962، وقد اختار المغرب نظام الملكية الديمقراطية والاجتماعية وتم تحديدمجموعة من الثوابت الدستورية، وقد عرف الدستور المغربي عدة مراجعات سمحت بإحراز توافق أوسع حول الثوابتالمؤسساتية للبلاد.

ويعتبر تقرير بلفقيه، أن المغرب تمكن من تحقيق اجتماع واسع حول المؤسسات وحول الاختيارات الأساسية للبلاد،خاصة وأن الملكية عرفت كيف تتخذ المبادرات الملائمة والسديدة، هذا ما يتضح من خلال تجاوز التوترات والتقدم نحومستقبل يسوده الاعتدال رغم كل التشنجات السياسية التي عرفتها المملكة، والتي كانت عنيفة في مجموعة منالأحيان. كما يؤكد التقرير على أن دخول المغرب في التناوب الحكومي سنة 1998، يعتبر مرحلة أساسية في المسارالديمقراطي للبلاد. كما وقف تقرير اللجنة الاستشارية، على دور الأحزاب في البناء الديمقراطي للبلاد. ولتجاوزمكامن النقص في الممارسة الحزبية تم إصدار قانون الأحزاب سنة 2005، كما تعرض التقرير إلى بعض الشوائبالتي تمس الممارسة الحزبية.

تقرير مزيان بلفقيه سيشيد، أيضا، بأهم القرارات الشجاعة التي اتخذها المغرب، وهي إحداث هيئة الإنصافوالمصالحة من أجل طي صفحات الماضي الأليم، وكذلك، إحداث المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان سنة 1990 وإحداث وزارة حقوق الإنسان سنة 1990، فكل هذه الاختيارات جاءت بالنسبة إليه لترسيخ ثقافة حقوق الإنسان. كما يسجل التقرير التقدم الإيجابي الذي عرفته حقوق المرأة، وأيضا حرية التعبير والصحافة، خاصة وأن المغربشهد فترات من الرقابة الصارمة ومنع الصحف والمحاكمات، مشيرا، أيضا، إلى خيار اللامركزية والجهوية، رغم كلصعوبات وعوائق التدبير الإداري للمجال الترابي، وذلك ما يتضح من خلال السيرورة البطيئة وغير المتجانسة التيعرفها اللاتمركز، الأمر عينه عرفه القضاء من أجل تشييد دولة الحق والقانون، لكن تبقى شفافية التدبير العموميومحاربة الرشوة رافعتين أساسيتين للحكامة الجيدة، هذه الأخيرة لازالت تبحث عن ذاتها حسب التقرير، خاصة أمامالاختيارات غير المستقرة، أحيانا، للسياسات العمومية، مما يجعل المواطنين في حاجة أكثر إلى المزيد من الثقة.

هيئة الإنصاف والمصالحة، التي أشاد بدورها تقرير بلفقيه، تم استقبال رئيسها وأعضائها من طرف الملك محمدالسادس، بمدينة أكادير بتاريخ 7 يناير 2004، وكان الخطاب الملكي الذي ألقي بمناسبة هذا التنصيب، سنداملكيا مرجعيا موجها لأعمال الهيئة، باعتبارها لجنة وطنية للحقيقة والإنصاف والمصالحة.

أنشئت هذه اللجنة بناء على القرار الملكي بالموافقة على توصية صادرة من المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان،وعلى الظهير الشريف المتضمن للنظام الأساسي للهيئة الصادر في 12 أبريل 2004، ذات اختصاصات غيرقضائية في مجال تسوية ملف ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. من مهامها البحث والتحري والتقييموالتحكيم والاقتراح.

وشمل اختصاصها الزمني الفترة الممتدة من أوائل الاستقلال 1956، إلى تاريخ المصادقة الملكية على إحداث هيئةالتحكيم المستقلة للتعويض 1999. أما الاختصاص النوعي، فيشمل أكثر الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسانالتي اتسمت بالطابع الممنهج أو الكثيف. علما بأن اختصاص التحري والكشف عن الحقيقة يخول الهيئة التحقق مننوعية ومدى جسامة الانتهاكات الماضية لحقوق الإنسان.

ووفقا للمنظور الملكي، فقد باشرت هيئة الإنصاف والمصالحة، في إطار اختصاصات حصرية تمثلت، أساسا، فيالكشف عن الحقيقة، وإثبات نوعية ومدى جسامة الانتهاكات الماضية لحقوق الإنسان، وإجراء التحريات، وتلقيالإفادات، والإطلاع على الأرشيفات الرسمية، واستقاء المعلومات والمعطيات التي توفرها أي جهة، لفائدة الكشف عنالحقيقة. ومواصلة البحث بشأن حالات الاختفاء القسري التي لم يعرف مصيرها بعد، وبذلها كل الجهود للتحريبشأن الوقائع التي لم يتم استجلاؤها، وفي مقدمة ذلك، الكشف عن مصير المختفين، مع إيجاد الحلول الملائمةبالنسبة لمن ثبتت وفاتهم، والوقوف على مسؤوليات أجهزة الدولة أو أي طرف آخر في الانتهاكات والوقائع موضوعالتحريات، وتضمين التقرير النهائي خلاصات الأبحاث والتحريات، والتحاليل التي أجريت بشأن الانتهاكاتوسياقاتها.

هيئة الإنصاف والمصالحة التي تأسست بقرار ملكي، كان من أبرز مهامها، جبر الأضرار من حيث التعويض الماديوإعادة التأهيل والإدماج والاسترداد، ورد الاعتبار، وكل أشكال جبر الضرر الملائمة حسب التحريات والأبحاث فينطاق الكشف عن الحقيقة.

وكان من أبرز توصياتها، هو التشديد على تكريس ضمانات الوقاية وعدم التكرار، من خلال تضمين تقريرها النهائي،كوثيقة رسمية للهيئة، التوصيات والمقترحات الكفيلة بحفظ الذاكرة، وبضمان عدم تكرار ما جرى ومحو آثارالانتهاكات، واسترجاع الثقة وتقويتها في حكم القانون واحترام حقوق الإنسان. والمساهمة، أيضا، في تنمية وإثراءثقافة وسلوك الحوار، وإرساء مقومات المصالحة، دعما للتحول الديمقراطي لبلادنا، وبناء دولة الحق والقانون،وإشاعة قيم وثقافة المواطنة وحقوق الإنسان.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي