أثارت تصريحات عبدالإله بنكيران القادحة في تشكيل لجنة بنموسى، لكونها لا تضم ممثلين عن التيار الإسلامي، جدلا واسعا بحيث أعادت إلى الواجهة المعركة المحتدمة بين المحافظين والعلمانيين، التي تعد من نتائج صدمة الحداثة التي هزّت المجتمع المغربي منذ القرن التاسع عشر، وأفرزت أزمة هوية يعكسها تمزق الفكر بين مرجعيات التقليد والحداثة، واضطراب القيم بين الأصالة والمعاصرة، الوضعيات التي تؤثر سلبا على السلوك كذلك، بتناقضاته التي لا تنتهي بين القول والفعل، بين المبادئ المعلنة والفعل اليومي الملموس. فهل الصراع بين المحافظة والتحديث معركة حقيقية فعلا؟ أم هو صراع مفتعل لحجب الصراع الحقيقي الذي يدور في الجوهر حول احتكار السلطة والثروة؟
المعطي منجب، مؤرخ وحقوقي، يقدم قراءة تؤكد على أن الصراع بين المحافظين والعلمانيين له وجهان: حقيقي ومفتعل، فهو حقيقي، لأنه يُعبّر عن « خط انكسار » في المجتمع المغربي بين دعاة المحافظة، إسلاميين وغيرهم، وبين دعاة الانفتاح والتحديث ممن تأثروا بالثقافات الحديثة. ويشير منجب أن الثقافة الحديثة « سابقة على الموجة الاستعمارية الأوروبية »، فهي برزت وانتشرت في المغرب مع بروز الوجود الديمغرافي الأوروبي الذي كان يشكل نسبة 20 في المائة في بعض المدن المغربية، وكان يشكل 8 في المائة من مجموع الساكنة المغربية، أي نحو نصف مليون شخص من بين 10 ملايين في بداية القرن العشرين. وهذا يفسر كيف أن الذين كتبوا أول دستور مغربي لسنة 1908 كانوا من ذوي الثقافة الحديثة، وأن أول مدرسة للبنات في فاس أسستها سيدة لبنانية مسلمة، كانت أول من فتح أعين المرأة المغربية على المكتسبات التي يمكن أن تجنيها من الانخراط في قطار الحداثة والتحديث.
وقد تعمّق مسار التحديث، بحسب منجب، قبل الاستعمار وخلاله وبعده، بفعل آليات ومؤسسات حديثة مثل المدرسة، ما جعل الثقافة التقليدية تتراجع بالتدريج، خاصة بعد الاستقلال. الأمر الذي جعل السلطة تدرك أن مسار التحديث « يشكل خطرا عليها »، وكانت أول من لجأ إلى « تعزيز التقليد »، من خلال إحداث دار الحديث الحسنية، وتشجيع التعليم الأصيل والعتيق، وصولا إلى خلق شعبة الدراسات الإسلامية في الجامعات، وحتى مهاجمة الحسن الثاني علانية وفي التلفزيون الرسمي اللباس الحديث للمرأة (الميني جيب) سنة 1986، وذلك في إطار سياسة مضادة ضد الفلسفة وعلم الاجتماع، التي تمت محاصرتها في جامعتين فقط، وتخفيض ساعات تدريسها في التعليم.
ويضيف المعطي منجب أن الصراع بين التقليد والتحديث في سياسة السلطة، لم تكن الدولة بمنأى عنه، فالصراع كان داخل الدولة بين المحافظة والتحديث، خصوصا وأن هذا الأخير كان مدعوما من قبل البورجوازية، والمدارس التقنية (المهندسون،…)، التي تمت عسكرتها من قبل الجيش، هذا الأخير الذي كان عنصر تحديث من الناحية التقنية، لكنه ظل مدافعا عن التقليد إيديولوجيا.
في الثمانينيات، ظهر أن تعزيز التقليد من قبل الدولة يصب في مصلحة قوى جديدة تتمثل في الحركة الإسلامية، وظهر للسلطة أن شعبة الدراسات الإسلامية بقدر ما عززت من أصولية الدولة، بقدر ما عززت من نفوذ الإسلاميين، باعتبارها قوة محافظة، لكنها تنازع السلطة في مرجعيتها الدينية. ما دفع السلطة إلى نهج استراتيجية اختلاق الصراع بين قوى الحداثة وقوى المحافظة، حتى تظل الفاعل المسيطر، ولمنع أي توافق بين المحافظين والحداثيين حول أي برنامج ديمقراطي.
في هذا السياق، يبرز الجانب المفتعل في الصراع بين المحافظة والتحديث، حيث لجأت السلطة منذ السبعينيات وخلال الثمانينيات إلى تشجيع التناقض بين الطرفين، لمنع « أي برنامج ديمقراطي بين الإسلاميين والديمقراطيين ». ويرى منجب أن السلطة لجأت مرة أخرى إلى تشجيع قوى الحداثة، وتعزيز مكانة الفلسفة وعلم الاجتماع في التعليم والجامعة، من أجل إحداث التوازن مع القوى الإسلامية التي تحولت إلى قوة مجتمعية منافسة للسلطة حول موارد الشرعية والمشروعية.
منذ ثورات 2011، برز تحول جديد بات يصعب معه على السلطة أن تستمر في ممارسة لعبتها المفضلة، أي زرع الفرقة والخصومة بين الإسلاميين والعلمانيين، نتيجة تطور حاسم في صفوف الطرفين، تمثل في وعيهما معا بإمكانية الحوار بينهما، والتوافق حول قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو الوعي الذي أسهمت فيه تجارب مختلفة، مثل التجربة التركية والتجربة الماليزية. لقد تفشت وسط الإسلاميين القناعة القائلة بأن القيم المحافظة يمكن أن تزدهر بشكل أفضل في ظل نظام ديمقراطي، كما انتشرت قناعة أخرى في صفوف العلمانيين تفيد بأن تعايش القيم الإسلامية والديمقراطية أمر ممكن، مادامت المجتمعات تحبذ ذلك.
من نتائج هذا الوعي في صفوف التيار المحافظ، أن الإسلاميين باتوا محافظين سياسيا، « محافظين بالمعنى الأمريكي »، يقول منجب، أي « ليسوا تقليديين »، بل يؤمنون ويسعون إلى إدماج القيم الحديثة في النسق الفكري الإسلامي أو المحافظ.
لم تقف السلطة مكتوفة الأيدي إزاء هذا التطور في صفوف القوى المحافظة، بل لجأت إلى تكتيك آخر وهو « احتكار الدين »، أي جعل الدين/الإسلام شرعية للملكية/إمارة المؤمنين فقط، ومنع الإسلاميين من توظيفها السياسي في العلاقة بالفئات المحافظة في المجتمع. ويمكن الإشارة هنا إلى تجربة حزب الأصالة والمعاصرة الذي ينادي بفصل الدين عن الدولة، لكن ظل دائما منافحا عن إمارة المؤمنين، بحجة أنها الذراع الواقي من خطر الإسلاميين.
هكذا يظهر أن النظام القائم يوظف كل شيء من أجل التحكم في القوى السياسية والدينية التي يمكن أن تنافسه حول السلطة. عباس بوغالم، أستاذ العلوم السياسية بكلية الحقوق وجدة، يؤكد بدوره أن الصراع بين القوى المحافظة والقوى العلمانية « موجود بالفعل في الواقع »، خصوصا وأن المغرب معروف بالازدواجية بين المحافظة والتحديث، وبالعلاقة المتوترة بين الأصالة والمعاصرة، لكن بالمقابل « هناك سعي إلى اختلاق نقاش مفتعل، الغرض منه توجيه النقاش العمومي، نحو قضايا مغلوطة وحتى وهمية. انزعاج الإسلاميين، ومن بينهم بنكيران، من لجنة بنموسى حول النموذج التنموي، حسب بوغالم، يعكس في العمق ازدواجية السلطة في تدبير التنافس بين القوى المحافظة والقوى العلمانية. إن موقف بنكيران يعكس في النهاية إحساس الإسلاميين بأن السلطة ليست في أيديهم، رغم ترؤسهم للحكومة، وأنها موجودة في مكان آخر، لم يبلغوه بعد.
يحيل هذا الجدل، في نظر بوغالم، على إشكالات بنيوية في مركز السلطة، تتمثل في الازدواجية بين مظهر مؤسساتي يوحي بأن كل شيء على ما يرام، وأن من تفرزه الانتخابات هو من يترأس الحكومة، وبين مخبر موازي يحتكر السلطة والثروة ويسعى إلى احتكار الدين أيضا.
يذهب بوغالم إلى أن اللجنة في ذاتها، علاوة على تشكيلتها، جزء من عملية تدبير للصراع حول السلطة والثروة، وفي هذا يقول: « إذا كانت لجنة بنموسى هي من ستعد النموذج التنموي للسنوات المقبلة، فلماذا الانتخابات إذن؟ وماذا تفعل الحكومة؟ وما المغزى من وجود أحزاب سياسية؟ ولماذا تصلح المؤسسات الدستورية مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي وغيره؟
في رأي بوغالم، يعكس انزعاج بنكيران من تشكيلة لجنة بنموسى موقفا من الطريقة التي تدبر بها السلطة التنافس أو الصراع بين القوى المحافظة والقوى العلمانية، لكنه يكشف عما هو أبعد من ذلك، هو أن السلطة توجد خارج مقر رئاسة الحكومة، ولذلك يشعرون بالإقصاء، لكنه أسلوب لتأجيج التوتر الإيديولوجي بين الإسلاميين والعلمانيين لإخفاء أشياء أخرى أهم، تلك التي تتعلق بالسلطة وتوزيع الثروة، والتي يحتكرها النظام حتى الآن، وبعض حلفائه فقط.