من ينتصر؟ معركة الهوية بين العربية والفرنسية

23/12/2019 - 08:00
من ينتصر؟ معركة الهوية  بين العربية والفرنسية

أحيى قانون جديد حول التربية والتعليم، من جديد، نقاش اللغة والهوية، حيث تفرض الفرنسية، لغة المستعمر، نفسها على العربية والأمازيغية في التعليم العلمي. فهل يتعلق الأمر بفقدان الهوية الوطنية المغربية، والارتماء في أحضان فرنسا على يد مجموعة من المفرنسين، الذين مازالوا لم يدركوا بعد أن اللغة الفرنسية في تراجع، وأن عدد الناطقين بها أقل بكثير من الناطقين باللغات الإنجليزية والصينية والإسبانية والهندية والعربية نفسها، أم إن الحاجة العلمية تفرض الاستعانة بالفرنسية، حتى في ظل غياب أساتذة ومعلمين متمكنين منها؟

لم يعد المغرب محمية فرنسية منذ أكثر من 60 عاما. مع ذلك، مازالت الفرنسية هي اللغة المهيمنة في البلاد. في الحقيقة، لا يتعلق الأمر بالتدريس بلغة المستعمر السابق في المدرجات الجامعية، بل أصبحت شرطا ضروريا لولوج أغلبية المناصب، بما في ذلك تلك التي لا تحتاج إلى العمال المؤهلين. يطبخ النقاش حول ما إن كان يجب التدريس بالفرنسية أو باللغتين الرسميتين الأخريين، العربية والأمازيغية، المنتشرتين في شمال إفريقيا، على نار هادئة منذ فترة، لكن الجدل انتهى بسن قانون للتربية والتعليم يجبر المدارس والمعاهد على تدريس المواد العلمية والرياضيات والتكنولوجيا بلغة موليير.

يصفه المعارضون بـ«القانون العبثي» الذي خلق من أجل ولخدمة اللوبي الفرنسي، الذي لايزال جاثما على المؤسسات، وينطلقون من كون أغلبية المغاربة يتحدثون الدارجة المغربية، وبالكاد 35 في المائة يتحدثون بمستويات مختلفة اللغة الفرنسية. في المقابل، يعتقد خبراء قليلون مؤيدون للقانون أن التشريع الجديد يمكن أن يقلص البطالة التي تضرب أوساط الشباب، ويسهم في أن يكمل أكبر عدد ممكن من الطلبة دراستهم، لاسيما أن 9 من أصل 10 طلاب يغادرون الفصل في التخصصات العلمية قبل الحصول على الشهادة، أي ضعف نسبة المغادرة المسجلة في التخصصات الأخرى. ورغم أن المغرب اعتمد سياسة التعريب وبناء الهوية الوطنية بعد نيل الاستقلال، فإن الواقع مازال عنيدا؛ فالفرنسية هي لغة المال والأعمال، ولغة الحكومة نفسها والنخبة. كيف لا وولوج 70 في المائة من مناصب الشغل يفرض التمكن من هذه اللغة، التي ينظر إليها البعض بصفتها «لغة مستعمِرَة».

المهمة المستحيلة!

في الوقت الراهن، يصعب تنزيل القانون الإطار في المستويين الابتدائي والإعدادي، فكتب المواد العلمية غير مترجمة إلى الفرنسية، ومما زاد الطين بلة، صعوبة إيجاد أساتذة مواد علمية مؤهلين للتدريس بلغة فيكتور هوغو. «لدينا مشاكل في العثور على أساتذة للغة الفرنسية وتعويض الذين يحالون على التعاقد. كيف يمكننا العثور على أساتذة يمكنهم تدريس الرياضيات والعلوم الطبيعية باللغة الفرنسية! عمليا، هذا مستحيل»، يوضح مصطفى أوزير، المسؤول عن شعبة الدراسات الإسبانية بجامعة محمد الخامس بالرباط ومنسق تكوين أساتذة الابتدائي. «قبل المصادقة، بشكل أحادي، على قانون مثل هذا، يمس بالدرجة الأولى الأساتذة والآباء والتلاميذ، كان الأولى أن يأخذوا رأينا بعين الاعتبار. فجمعية آباء وأولياء التلاميذ لا تتفق مطلقا مع هذا القانون، ورفضته في البداية»، تقول بغضب خديجة، وهي أم طفلة في الإعدادي، ومنخرطة في جمعية آباء وأولياء التلاميذ.

من بين منتقدي هذا القانون، هناك عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة السابق عن حزب العدالة والتنمية الإسلامي، والذي يرى أن «العربية قضية مبادئية». يقول أوزير: «من المؤسف أن الحزب الذي يتبنى المرجعية الإسلامية تخلى عن العربية في التدريس، واستعاض عنها بلغة المستعمر»، ويضيف أن تنزيل الفرنسية في المدارس، اللغة التي كلف إخراجها من التعليم خلال مرحلة التعريب بعد الاستقلال الشيء الكثير، جاء لخدمة مصالح اقتصادية وسياسية. «من ناحية، يراد الاستمرار في تعزيز هيمنة الفرنسية وامتيازاتها؛ ومن ناحية أخرى، يعد هذا القانون وسيلة لتأجيل النقاش حول كيفية تدريس أطفالنا باللغتين الرسميتين المعترف بهما في دستور عام 2011؛ العربية والأمازيغية»، يقول مصطفى أوزير.

أصبحت الأمازيغية لغة رسمية بموجب دستور 2011، الذي صيغ على خلفية احتجاجات 20 فبراير 2011، في ما يعرف بالربيع العربي المغربي. لكن، على أرض الواقع، تدرسها قلة قليلة من المدارس والمعاهد، رغم أن جزءا كبيرا من المغاربة ترعرع وسط هذه اللغة (ما بين 40 و60 في المائة من سكان المغرب)، فيما 27 في المائة من المغاربة يتحدثون بها. نتحدث هناك عن مناطق نفوذها مثل الأطلس، والريف، وجنوب المغرب.

من وجهة نظر رافضي التدريس بالغة الفرنسية، يتوجب على المغرب القيام بتغيير جذري في النظام التعليمي، ويعتبرون أن القانون الإطار هو مجرد طريقة فقط للمراوغة وعدم الاعتراف بأن النظام التعليمي المغربي، المستوحى من النظام التعليمي الفرنسي، أكل عليه الدهر وشرب، ولم يعد يساير العصر الحالي. «الآليات المعتمدة عفَّى عليها الزمن، وبالكاد يتوفر التلاميذ على حواسيب وأجهزة تكنولوجية ومعلوماتية أخرى في الأقسام؛ مناهج التدريس قديمة، أرقام التغيب عن المدرسة مقلقة جدا. هل يجري الاشتغال على قانون تعليمي يسعى إلى معالجة كل هذا؟ في الواقع، لا، بل ما يقع معاكس لذلك كليا»، يضيف مصطفى أوزير. ويرى أن نتائج الوضع الحالي ستكون ارتفاع أرقام الهدر المدرسي في صفوف الأطفال الذين تلقوا تعليمهم بالأمازيغية أو بالعربية، حيث لن يفقهوا أي شيء في المواد العلمية التي ستدرس باللغة الفرنسية ابتداء من هذه السنة. ولا يستطيع نصف المعاهد المغربية تنزيل التدريس بالفرنسية، وفق خبراء، وبناء على ذلك، «لن يكون هناك أي حل غير حل تزوير الإحصائيات»، على حد قول أوزير.

لمَ لا الإنجليزية

يعمل فؤاد لكشور مهندسا صناعيا، وهو يدافع عن القانون الإطار. كان قد تلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي باللغة العربية، لكنه عندما التحق بالجامعة، اضطر إلى الدراسة بالفرنسية. «لا أعرف إن كان هذا القانون هو الطريقة الأفضل، لكن دراسة اللغات العلمية بالعربية في المدرسة، والفرنسية في الجامعة، لا معنى لها، لأن الطلبة الآتين من الأوساط المفرنسة يدخلون في الفصل الجامعي بسهولة»، يشرح لكشور، ملمحا إلى أن هذا القانون قد يكون إجراء جيدا لمحو الفوارق الطبقية في التعليم. غير أن الجامعي مصطفى لا يتفق معه، لأنه يرى أن هذا القانون، على العكس من ذلك تماما، هو وسيلة للحفاظ على الهيمنة السياسية والاقتصادية للوبي الفرانكفوني، ويتساءل: «لماذا لا يقع التدريس باللغة الإنجليزية، إن كان المراد حقا لغة علم، وهي لغة أكثر عالمية»، ويضيف: «اليوم كل الشباب المغاربة يرغبون في التحدث بالإنجليزية، فيما لا تهمهم الفرنسية مطلقا. في المغرب، هناك قلة قليلة هي التي تتحدث الفرنسية، لكن هذه القلة هي التي تحتكر السلطة الاقتصادية، كما أن الذين تلقوا تعليمهم خلال فترة الحماية تجاوزت أعمارهم 65 عاما»، يقول بامتعاض.

ضياع الهوية الوطنية

من جهة أخرى، يتخوف الخبراء المغاربة من غياب اللغات الرسمية في الثقافة والفنون والعلوم. «نفذت الدولة طول عقود سياسات لغوية أضرت كل اللغات الوطنية؛ العربية والدارجة المغربية والأمازيغية»، يعترف أحد وزراء الثقافة المغربية سابقا. لذلك، يتخوف المثقفون المغاربة من أن تقود «السياسات اللغوية» إلى ضياع هوية بلد ضحى كثيرا من أجل استرجاعها بعد مرحلة الاستعمار.

شارك المقال