مصطفى العلوي.. صحافي في معاقل ثورة الريف

06 يناير 2020 - 08:00

اندلعت ثورة الريف سنة 1958، بينما كان مصطفى العلوي يصدر مجلة “المشاهد”. وكصحافي مبتدئ وقتها، طلب من الدكتور عبدالكريم الخطيب، أن يربط له الاتصال بقائد الثورة الريفية، فقبل الفكرة. وبعد أربعة أيام من العمل الصحافي الميداني في جبال الريف الوعرة وسط الثوار، عاد رفقة مصوره إلى “العين الحمرا”، حيث ترك سيارته، وبمجرد انطلاقه في طريق العودة نحو الرباط، “اكتشفنا أن حاجزا جديدا للدرك الملكي تم نصبه في الطريق، فكانت خبرة المصور الألماني “هولز” في الموعد مرة أخرى، حيث سلك بنا طريقا تمكننا من تجاوز الحاجز وعدم الخضوع للمراقبة فيه”.

بمجرد وصول الصحافي الشاب ومصوره إلى مدينة الرباط، وفي ساعة مبكرة من صباح اليوم الموالي، اتصل به مدير مكتب محمد الغزاوي، المدير العام للأمن الوطني، داعيا إياه إلى التوجه إلى مكتب المدير على وجه السرعة من أجل مقابلته.

“توجهت إلى مكتب الغزاوي، الذي ورغم مهمته الأمنية، كان “حبوبا” في علاقاته الخاصة. فبادرني بسؤال مباغت: “لقد ذهبت مع الثوار.. هل قمت بالثورة؟”، فقلت له مستغربا: “كيف ذلك؟”، فقال لي بصرامة: “لا تحاول أن تكذب عليّ، لدينا معلومات مؤكدة من عامل مدينة تازة، العياشي الحسين، ونعلم أنك ذهبت عند الثوار في الريف”. وطلب مني إمداده بكل المعلومات التي توصلت إليها خلال رحلتي، في محضر رسمي. فأخبرتهم أنني سمعت عن “العين الحمرا” التي يحج الجميع لزيارتها والشرب من مائها، فذهبت بحثا عنها”.

فطن المصور الألماني الذي كان يرافق العلوي إلى أنه قد يخضع للتفتيش، فأخفى الصور التي التقطها في معاقل الثوار وساحات المعارك، وترك في الآلة صورا عادية لا تثير أي شكوك. وإذا بالعدد الموالي من مجلة “المشاهد” المصورة، يصدر وبه ربورتاجا كاملا بالصور عن رحلة في قلب الثورة الريفية ووسط الثوار. “وكان بذلك أول عدد يتعرض للحجز في تاريخ المغرب المستقل. وهنا أخذت الأمور منحى آخر لم يكن يخطر لي على بال، حيث دخل ولي العهد مولاي الحسن على الخط، وتم استدعائي للقائه في اليوم الموالي لحجز العدد، على الساعة الثالثة بعد الزوال، في مقر إقامته بحي السويسي بالرباط”.

سارع العلوي إلى الاستجابة للدعوة، فوصل إلى إقامة الأمير في الموعد المحدد، لكنني لم يجده فيها، “فقيل لي بأنه ينتظرني في قصر الباهية بمدينة مراكش. فسافرت فورا نحو المدينة الحمراء، وقصدت القصر، ثم دخلت إلى الصالون الذي سألتقيه فيه، فوجدته باردا رغم المدفأة الموجودة فيه، فيما تجلس امرأة شقراء، هي زوجة القبطان ميمون، المرافق العسكري للأمير، والتي أخبرتي بأن زوجها وولي العهد قد ذهبا في رحلة صيد، وأنهما سيعودان وعليّ انتظارهما، فجلست لأنتظر”.

بالفعل، وصل الأمير رفقة مرافقه العسكري “وأخذ القبطان ميمون زوجته وانصرفا، ثم طلب لنا مولاي الحسن العشاء كي نتناوله معا رأسا لرأس، فقد كان يعرفني من ذي قبل، استعدادا لمباشرة الحديث في الموضوع الخطير الذي تطلب استدعائي على عجل لمقابلته، ثم قال لي: “لقد ضحكت على الغزاوي، لكنك لن تضحك علي”. فقلت مستغربا: “لماذا؟ ماذا هناك؟”. فقال لي: “شوف، إما أن تتفضل لتحكي لي ما جرى أو أتولى أنا الأمر”. فتركته ليتحدث، وكم كانت مفاجأتي كبيرة به وهو يسرد علي حكايتي مع تغطية الثورة، ابتداء من جلستي مع الدكتور عبدالكريم الخطيب وأحرضان. ووصف لي بيت الزعيم الثائر مسعود أقجوج الذي جلست فيه، وحدثني عن ذلك الطاجين الذي تناولناه في ضيافته… وكل التفاصيل إلى غاية مجالستي للغزاوي في مكتبه من أجل التحقيق في الموضوع. فاكتشفت أن الثوار الذين يخوضون المعارك في جبال الريف ضد القوات المسلحة التي يقودها الأمير مولاي الحسن، يعجون بأتباعه الذين يمدونه بتفاصيل ما يجري في ساحات المعركة، وحتى في قلب بيت الزعيم”.

عبر ولي العهد للصحافي عن تقديره لشجاعته وولائه للمبادئ المهنية وشجعه على الاستمرار، ثم انتقل إلى موضوع آخر ليسأله عما إن كان اجتمع مع المهدي بنبركة، وهو ما كان متأكدا منه، “ولم يكن سؤاله إلا تمهيدا ليقول لي: “هداك المهدي أنا غادي نربيه، وغادي ندير ليه الخدمة المدنية، ونصيفطو للجبل ونقولهوم يلبسوه صباط صغير عليه…”. وهنا تأكد لي أن العلاقة بين الرجلين وصلت أقصى مدى في توترها، وأن مشكلة الأمير عويصة مع حكومة عبدالله إبراهيم.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.