تعود علاقة مصطفى العلوي بالمهدي بنبركة إلى أيام الشباب، « حيث كنت يومها أصدر جريدة « أخبار الدنيا »، وكان بنبركة يدعوني ضمن مجموعة من الصحافيين والكُتّاب إلى لقاءات يعقدها بين الحين والآخر، في حي « ماراسا » بالرباط، على غرار المقابلات التي كان الأمير مولاي الحسن يدأب على تنظيمها في إقامته الخاصة مع الصحافيين، مباشرة بعد مغادرتهم للندوة الصحافية التي كانت تقام في القصر الملكي، فأوحى ذلك للزعيم الاستقلالي حينها، المهدي بنبركة، بإجراء لقاءات مماثلة مع أقطاب الصحافة الوطنية. ليقوم بإملاء الافتتاحيات على بعض الصحافيين، ومن بينهم طاقم جريدة « الاستقلال » التي كان يهيمن عليها ».
ومن ذكريات علاقته بالمهدي، أنه كان في كل مرة يدخل فيها عليه في مكتبه بمقر حزب الاستقلال ليسلم عليه، يبادرنه المهدي بنبركة بالقول: « اجلس اجلس ». فالمهدي لم يكن يقبل أن يقف أمام رجل أطول منه، حسب مذكرات العلوي، « وربما كانت علاقة التفاهم الأولى بينه وبين مولاي الحسن، نابعة من كونهما معا قصيري القامة. لكنني سوف أتعرف أكثر على المهدي بمناسبة إنجاز مشروع طريق الوحدة. حيث كان في ساعات معينة من الصباح، يخرج حاملا معوله ليقوم بحفر الأرض، وبجانبه حامل آخر للمعول، هو الأمير مولاي الحسن. ذلك المشروع الذي لو قدر للمهدي أن يبقى، لكان قد حول المغرب إلى صين شعبية عبر مشاريع مماثلة له. فقد كانت أول خطوة نحو الدولة الاشتراكية التي كان المهدي يخطط لها، هي إقامة دولة التجنيد ».
ومما احتفظت به ذاكرة مصطفى العلوي حول المهدي بنبركة، أنه عندما ذهب إلى جنيف لمواكبة المفاوضات الفرنسية الجزائرية موفدا من طرف امبارك البكاي، وزير الداخلية، باعتباره مشرفا على جريدة « الفجر » التابعة لوزارته، « وقفت على إحدى المفاجآت الكبرى خلال تلك المحادثات. فقد كان كريم بلقاسم، رئيس الوفد الجزائري يحدثنا مرة عبر شاشة، حيث لم يكن بإمكاننا التواصل معه مباشرة لأسباب أمنية. لكن ما أثارني خلال هذا اللقاء الصحافي، هو أن بلقاسم كان بين الفينة والأخرى ينظر جانبا وكأنه يستشير شخصا ما. فتركت الصحافيين الجالسين برفقتي، وذهبت لأطل على القاعة التي يجلس فيها كريم بلقاسم، وكم كانت مفاجأتي كبيرة وأنا أرى المهدي بنبركة هو ذلك الشخص الذي يجلس بجانب المسؤول الجزائري، ويقدم له الاستشارة في ندوته الصحافية ».
وباعتباره كان واحدا من الصحافيين القلائل الذين واكبوا حادث اختطاف المهدي بنبركة بالعاصمة الفرنسية باريس، كتب الصحافي الراحل أنه و »لكي يكون هناك تخطيط، لا بد من وجود مخططين، وفي تلك الفترة من تاريخ العالم، فترة 1965 كما هو الشأن الآن، فإن كل حركة مخالفة للمعهود، لا بد أن تكون متلائمة مع مصالح متعددة، وإلا فإنها تتعرض للفشل أو الإفشال ».
فاختطاف المهدي بنبركة، حسب مصطفى العلوي، كان عملية متفقا عليها ومخططا لها من لدن أطراف متعددة، فرنسية ومغربية وأمريكية وإسرائيلية. « وقد أثبتت الحقائق المسرودة على مدى مراحل البحث والمحاكمة، الارتباط المكين لهذه الأطراف الأربعة بقضية اختطاف المهدي بنبركة، مما يؤكد التواطؤ الكبير على إقبار القضية، والتقاء دفنها مع مصالح متعددة. ولو كان طرف واحد من تلك الأطراف، منفردا بالمبادرة أو المشروع، لفشلت العملية ولتم فضحها قبل إنجازها. وقد كان اجتماع المهدي بنبركة بسفير المغرب بفرنسا في أبريل 1965، بعيدا عن أنظار أوفقير، وخشية منه، هي الوازع الأول لتعجيل القوات الرافضة لكل تقارب بين القصر والمعارضة بتنفيذ المخطط الذي لم يكن وقتها إلا أماني وتطلعات ».
ويحسم الراحل مصطفى العلوي في مذكراته أنه لو لم يحضر عبدالقادر بنبركة، أخ المهدي، إلى الرباط للتحضير لرجوع أخيه، لما استطاع أوفقير اكتشاف مخطط الحسن الثاني. « وقد كتب الصحافي الفرنسي الذي كان يقيم بالمغرب، ويعمل بتعاون مع أجهزة الحكم الفرنسية، « روجي موراتي »، في كتابه: « قتلوا بنبركة »: « إن الحسن الثاني كان صادقا في رغبته التقارب مع اليسار، وفي رجوع المهدي بنبركة. أكيد أنه كان يريد تقريب المهدي بنبركة لعزله عالميا ولمراقبته عن قرب، وبرغبته في إشراك الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في الحكم، فقد كان يتوق بذلك إلى إرضاء طبقة مهمة من الرأي العام، وإقحام اليسار في المسؤولية. ولم تكن هناك جوانب انتهازية في تطلعات الملك المغربي، بل كان يعرف جيدا توفر اليسار المغربي على طاقات بشرية قيمة، ولم يكن المغرب في حال يسمح له بالاستغناء عن ساسة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ».