سانتشيز يقود الحكومة متحالفا مع خصوم شرسين للمغرب

09 يناير 2020 - 20:00

في الوقت الذي جاءت فيه الرياح الشرقية بما لا تشتهيه سفن الدبلوماسية بعد انتخاب عبد المجيد تبون، رئيسا للجزائر، نظرا إلى مواقفه المعلنة المعادية للمغرب في عز الحملة الانتخابية؛ حملت الرياح الشمالية صديق المغرب، بيدرو سانشيز، إلى رئاسة الحكومة الإسبانية الجديدة من جديد، بعد كسبه، ظهيرة يوم أول أمس الثلاثاء، ثقة مجلس النواب الإسباني ولو بأغلبية بسيطة وهشة.

ورغم أن رأس الحكومة الإسبانية الجديدة، المرتقب تقديم جميع أعضائها الأسبوع المقبل، صَدِيق للمغرب، إلا أن تحالفه مع خصوم المملكة وحضور صقور اليسار الجذري ذي الميولات الشيوعية يبقى أكبر تحد يواجه الدبلوماسية المغرب بإسبانيا في السنوات الأربع الأخيرة في حال نجحت في إتمام ولايتها التشريعية، بحكم افتقارها لأغلبية مريحة، إذ يبقى مصيرها مرتبطا بمزاج الانفصاليين الكتالان والقوميين الباسك.

جلسة حبس الأنفاس

كانت الجلسة الحاسمة ظهيرة يوم أول أمس متشنجة ومتوترة، حيث عاش الكل على الأعصاب، بما في ذلك المراقبين والمتتبعين داخل وخارج إسبانيا، بحكم أن شانشيز كان مهددا بخسارة معركة كسب ثقة مجلس النواب في أي لحظة، وهو الشيء الذي اتضح بشكل جلي لحظة التصويت التي ساد فيها صمت مطبق على القاعة، كما أن كل الفرق ظلت تحسب أعداد الأصوات المؤيدة والمعارضة والممتنعة، كما تابعت ذلك “أخبار اليوم” عبر التلفزيون الإسباني. في النهاية، أعلنت رئيسة مجلس النواب أن سانشيز فاز بفارق صوتين فقط. إذ صوت 167 برلمانيا لصالح سانتشيز، 120 صوتا اشتراكيا، و35 عن تحالف موحدون نستطيع، و6 عن الحزب القومي الباسكي، و3 عن ماس باييس، و3 عن مختلف التشكيلات الجهوية، فيما صوت ضده 165 نائبا، 88 نائبا عن الحزب الشعبي، و52 عن فوكس، و10 عن حزب مواطنون، و8 عن حزب معا من أجل كتالونيا، و5 عن تشكيلات جهوية، في حين امتنع 12 نائبا عن الحزب الجمهوري الكتالوني و5 عن حزب بيلدو الباسكي الانفصالي. في الحقيقية، الامتناع كان تصويتا لصالح سانتشيز.

ووفقا للقانون الإسباني، قامت رئيسة مجلس النواب، مساء يوم أول أمس الثلاثاء، بإبلاغ رئيس الدولة الملك فيليبي الثاني حصول سانتشيز على ثقة البرلمان. كما صدر القرار صباح أمس في الجريدة الرسمية، واستقبل سانتشيز من قبل الملك مساء أمس وعين فعليا رئيسا للحكومة. وتجمع مختلف المصادر الإسبانية أن سانتشيز سيعلن، كأقصى تقدير، الأسبوع المقبل أعضاء الحكومة الائتلافية الجديدة؛ هذا في حالة لم يتم تشكيلها قبل نهاية هذا الأسبوع، علما أن مصادر سبق وتحدثت عن إمكانية أن تعين قبل انعقاد المجلس الوزاري الأسبوعي يوم غد الجمعة.

الباحث المغربي المهتم بالشأن المغربي الإسباني، إدريس الكنبوري، يعتقد أن “مهمة سانشيز ستكون صعبة جدا في الفترات المقبلة مع هذه الأغلبية الهشة التي سيحكم بها وإمكانية حصول مفاجآت”، وتابع قائلا: “نحن نعرف أن فوزه لم يكن انتصار حقيقيا، بل تم بفضل تنازل الحزب الكتالاني الجمهوري في البرلمان مقابل مكاسب سياسية لفائدة هذا الأخير، وهي فتح مفاوضات حول الاستقلال في الإقليم. وهذا ربما قد يقلب المعادلة غدا ضد حكومته”. ويخلص الكنبوري إلى أنه “في جميع الأحوال هذه الحكومة قصيرة، لأنها حكومة انتقالية جاءت في أعقاب انتخابات سابقة لأوانها”.

إلى حدود أمس، تؤكد كل التقارير حضورا قويا لخصوم الوحدة الترابية للمملكة المتمثل في حزب بوديموس وشركائه، ولكنهم في نفس الوقت يُعتبرون من المدافعين الشرسين عن المهاجرين المغاربة في الجارة الشمالية خاصة، وفي أوروبا عامة، في ظل زحف اليمين على القارة العجوز. وتجمع مختلف التقارير الإسبانية على أن الحكومة الائتلافية اليسارية التقدمية الجديدة المرتقبة تضم 20 وزيرا، أي ثلاثة وزارات إضافية مقارنة مع الحكومة المنتهية ولايتها. وعلى عكس المتوقع، فإن خصوم المغرب استطاعوا انتزاع من سانتشيز خمس حقائب وزراية. كما أنهم استطاعوا فرض أسماء وازنة من قبل باببلو إيغليسياس، زعيم حزب بوديموس، والذي سيشغل حقيبة النائب الثاني لرئيس الحكومة المكلف بالشؤون الاجتماعية، وزوجته والشخصية الثانية في الحزب والتي ستشغل منصب وزيرة المساواة، وجولندا دياث، مستشارة إغليسياس، التي أسندت لها حقيبة الشغل، والسوسيولوجي مانويل كاستييس، وزيرا للجامعات، علاوة على إسناد وزارة الاستهلاك للشيوعي زعيم حزب اليسار الموحد، آلبيرتو غارثون.

التحالف التقدمي والمغرب

بغض النظر عن التخوف الذي يطرحه دخول “بوديموس” وحلفائه بقوة إلى الحكومة الإسبانية الجديدة، إلا أن ربانها بيدرو سانتشيز استطاع إزاحتهم من الوزارة الحساسة، والتي تعتبر مجال التماس والاحتكاك مع المغرب دائما، مثل وزارة الخارجية التي احتفظ بها الحزب الاشتراكي، والتي من المرشح أن تعود للويس بلاناس، وزير الفلاحة المنتهية ولايته والسفير السابق بالمغرب ما بين 2004 و2005، وزارة الداخلية التي من المرشح أن يستمر على رأسها القاضي فيرناندو فيرنانديث مارلاسكا.

تجدر الإشارة إلى أن العلاقات الثانية بين المغرب وإسبانيا بلغت قمة التناغم منذ وصول سانتشيز إلى الحكم في يونيو 2018، بشكل لم يسبق له مثيل منذ عودة الديمقراطية إلى الجارة الشمالية، حيث ارتفع التنسيق والتعاون بين الطرفين في جميع المستويات. في الشهور الـ18 الأخيرة تحولت مدريد إلى محامي المغربي أوروبا ودوليا، بحيث استطاع إقناع الاتحاد الأوروبي بتعجيل المصادقة على اتفاق الصيد البحري مع المغرب، في احترام للوحدة الترابية للمملكة، كما انتزعت برامج دعم أوروبية للمغرب، كما أن سانتشيز تمرد على سابقيه عندما استعمل عبارة “تقرير المصير” أثناء التعريج على قضية الصحراء في خطابه الأخير في الجمعية العامة للأمم المتحدة، واستعمل بدله عبارة “مركزية الأمم المتحدة”.

وعلاقة مع المغرب، فإن الحكومة الإسبانية الجديدة تواجهها بعض التحديات، من بينها الاستمرار للسنة الثانية على التوالي في احتواء أزمة الهجرة غير النظامية، لاسيما أن التعاون بين الرباط ومدريد مكن في 2019 من تقليص تدفقات الهجرة السرية انطلاقا من السواحل المغربية صوب الإسبانية بنسبة 54 في المائة تقريبا، مقارنة مع سنة 2017. وسيكون على الحكومة الجديدة الموازنة بين سياسة إغلاق الحدود التي اعتمدها الحزب الاشتراكي في وجه المهاجرين ومطالب شريكه في الحكومة “بوديموس” باعتماد سياسة لينة أكثر إنسانية مع المهاجرين، علاوة على رفضه سياسة الكراهية التي يتزعمها اليمين ضد المهاجرين المغاربة.

وسيكون على الحكومة الجديدة مواجهة ضغط الحكومة المحلية بمليلية والمقاولين بعد إغلاق المغرب، في إطار سيادي، المعبر الجمروكي “بني أنصار” في فاتح غشت 2018. هذا الملف يوجد اليوم في رئاسة الحكومة الإسبانية. كما أن ملفا آخرا مرتبطا بالمغرب مطروح أيضا على طاولة سانتشيز يتمثل في إغلاق المغرب منذ 9 أكتوبر الماضي معبر باب سبتة الثاني المخصص للتهريب المعيشي، حيث يعتقد السبتاويون أن المدينة مهددة بالإفلاس في حالة قرر المغرب إنهاء التهريب المعيشي.

تشكيل الحكومة الجديدة سيسمح بمعالجة قضية ترسيم الحدود البحرية وتحديد الجرف القاري قبالة سواحل الأقاليم الجنوبية للمملكة وجزر الكناري، لاسيما وأن السلطات المغربية أكدت مؤخرا تشبثها بعرض قانوني ترسيم الحدود البحرية على البرلمان للتصويت عليهما. ملف آخر ينتظر الحلحلة، يتجسد في الاجتماعات من أعلى مستوى، التي كانت تعقد في السابق قبل أن تخف أو تؤجل في الشهور العشرة الأخيرة، بسبب غياب حكومة قائمة بذاتها في الجارة الشمالية، لأن حكومة تصريف الأعمال ليست لديها كل الصلاحيات.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.