سليمان الريسوني يكتب: الفلسفة في الشارع

01 فبراير 2020 - 18:00

أول ما قرأت أخبارا عن عودة شباب من حركة 20 فبراير إلى تنظيم حلقات نقاش حول السياسات العمومية والمفاهيم السياسية، في الشارع العام، ضمن حلقات «الفلسفة فالزنقة»، تذكرت أغنية سيد درويش التي تقول: «يا عم حمزة.. احنا التلامذة.. ما يهمناش في السجن نبات.. أو في المحافظة.. واخدين على العيش الحافْ.. والنوم من غير لِحافْ.. مستعدين.. ناس وطنيين.. دايما صاحيين.. إحنا التلامذة يا عم حمزة». لقد كتب كلمات هذه الأغنية أحد الطلبة الوطنيين خلال اعتقالات ثورة 1919، التي قادها سعد زغلول احتجاجا على تجاوزات الاحتلال الإنجليزي، و«عم حمزة» هو حارس السجن الذي لم يمتثل لأوامر الإنجليز، وعامل الطلبة المعتقلين بما يليق بهم، بصفتهم وطنيين لا مجرمين. هذه الأغنية استلهمها الثنائي أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام خلال النضالات الطلابية التي شهدتها مصر، سنوات السبعينيات، ضد سياسات أنور السادات، وكان الطلبة في الجامعات المغربية يحفظونها قبل أن يحفظوا دروسهم. تقول كلماتها: «لا كرة نِفعت ولا أَوَنطا.. ولا المناقشة وجدل بيزنطة.. ولا الصحافة والصحفجية.. شاغلين شبابنا عن القضية.. رجعوا التلامذة.. يا عم حمزه.. للجد ثاني».

تذكرت هاتين الأغنيتين وأنا أرى «تلامذة» حركة 20 فبراير كبروا وأصبحوا «أساتذة فلسفة»، ثم عادوا إلى شارع محمد الخامس بالرباط، قبالة البرلمان، وفتحوا حلقات نقاش في السياسات العمومية، بمحاذاة حلقات الموسيقى والرقص التي باتت تؤثث أهم شوارع العاصمة… ومثلما قال أحمد فؤاد نجم «رجعوا التلامذة للجد ثاني»، قلتها أنا.

من تابع ظهور حركة 20 فبراير، سيلاحظ أنها، على عكس كبرى الحركات الاحتجاجية في العالم، لم تأت تتويجا لتراكم ديناميات اجتماعية وسياسية وثقافية، سابقة عليها، بل انبثقت، فجأة، من رحم غضب واحتقان شعبي واستياء الطبقة الوسطى، وحتى من عدم رضا رجال أعمال عن تصاعد «المخزن الاقتصادي»، وضعف الشفافية، وغياب مناخ سليم للتنافسية، كما كانت السلطوية قد قطعت أشواطا في استنساخ النموذج السياسي الحزبي التونسي (benalisation)… في هذا السياق جاء الربيع العربي، فأعطى دفعة قوية لانطلاق هذه الشرارة المغربية التي إن كانت شروطها الموضوعية، المذكورة آنفا، متوفرة، فإن الشروط الذاتية لم تكن مهيأة بما يكفي لاستقبالها، لذلك، لم تصمد طويلا.

لكن، ما الذي حدث بعد خبُوِّ احتجاجات 20 فبراير، عقب الالتفاف عليها بدستور 2011 وحكومة العدالة والتنمية، اللذين سيفرغان من المنتظر منهما؟ لقد تحولت إلى ما كان يجب أن يكون عليه الوضع قبل انطلاقها، أي أصبحت هواءً يستنشقه المغاربة ويؤطر وعيهم، ثم مافتئت أن تفتتت إلى ديناميات فنية وثقافية (أغانٍ سياسية واجتماعية- رسوم غرافيتي- مسرح الشارع- القراءة في الشارع)، ورياضية (إبداعات الألتراس)، واجتماعية (احتجاجات قطاعية ومناطقية متصاعدة وبشعارات سياسية)… وأخيرا، ها هي «الفلسفة في الشارع» تأتي لفهم وتأطير وتبرير كل هذه الديناميات. وقبل هذا وذاك لتقول إن الشارع ليس للبهلوانات وعازفي القيثار فقط. الشارع، أيضا، فضاء للتفكير والنقاش والوعي بالواقع، والاستعداد لاستقبال أي تغيير يقود إلى الانتقال إلى الديمقراطية.

وفي الوقت الذي يسمح فيه لحلقات الموسيقى والرقص بإحداث تجمهرات في الشارع العام، بعدد من المدن المغربية، جرى توقيف منشطي حلقات «الفلسفة فالزنقة» في أكادير والرباط، واقتيادهم إلى المخافر والاستنطاقات. وبالرغم من أن فلاسفة الشارع أخبروا الأمن والنيابة العامة بأن ما يقومون به هو فعل ثقافي، لا يختلف عن غيره سوى في أن كل حلقة تعزف على وتر مغاير، فإن السلطات تعرف الفرق بين نقاش وغناء، وحتى بين غناء وغناء. لقد شبه فلاسفة 20 فبراير حلقاتهم بالأغورا التي كان فلاسفة اليونان يناقشون فيها الفلسفة، بعدما أنزلوها من السماء إلى الأرض، واهتموا بالإنسان، وبنقاشات الديمقراطية والعدالة والدولة، أكثر من اهتمامهم بالطبيعية التي كانت مبحث الفلاسفة السابقين على سقراط وأفلاطون وأرسطو، لذلك، جاء منع وتوقيف فلاسفة الشارع سريعا.

لكن الأمَرَّ من المنع والتوقيف هو القتل الرمزي لأصحاب هذه المبادرة، من خلال إسقاط تهمة التجمهر غير المرخص عن «الفيلسوف» يونس بنخديم، الذي اعتُقل من أمام البرلمان، حيث توبع، فقط، بتهمة السكر العلني، وكأن من يزعجه وجود هذا النوع من الأنشطة في الشارع يقول لهذا الشاب، الذي جعل من سقراط وأغوراه مثالا له: «لن نمنحك شرف وفاة سقراط الذي حُكم عليه بتجرع السم، بتهمة إفساد الشباب بأفكاره الهدامة، فشربه برأس مرفوع، رافضا أن يهربه تلامذته من قدره… لن نجعل منك سقراط 2020، بل سنجعل التاريخ يذكرك بالسكير فقط». وها هو «الفيلسوف» الشاب ينضاف إلى كل الصحافيين والنشطاء الذين يعرف الجميع أنهم اعتقلوا بسبب أفكارهم المزعجة، لكن من حرمهم من حريتهم أصر على أن يحرمهم حتى من شرف تصنيفهم معتقلي رأي، فصك لهم اتهامات باغتصاب الفتيات، وإدخال الدبابات، واستهلاك المخدرات… لكن، هل صدقه أحد؟ لا.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.